اسماعيل بن محمد القونوي
364
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بتلك الحالة إذ علمه تعالى بحال القرون لا ينفك عن تلك الحالة على أنه مفهوم مخالف لا اعتبار له عند أئمتنا الحنفية أصلا وعند الشافعي وإن كان معتبرا لكنه إذا لم يكن له فائدة أخرى وهنا فائدة أخرى وهو التنبيه على أنه لا ينفك عن تلك الحالة ومعنى كونه مثبتا في اللوح كون اللفظ الدال على المعاني الدلالة على العلم مجازا . قوله : ( ويجوز أن يكون تمثيلا لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة ) أي استعارة تمثيلية شبه الهيئة المأخوذة من علمه تعالى بتفاصيل الأمور علما ثابتا لا يتغير ولا يزول أصلا بالهيئة المنتزعة من العالم بشيء وكتبه في دفتره وحفظه عنده حتى لا ينسى فذكر اللفظ الموضوع للمشبه به وأريد به المشبه فالكتاب على هذا بمعناه اللغوي كما أوضحه بقوله وقيده بالكتبة ولا مجال لكونه لوحا محفوظا فظهر ضعف ما قيل إنه إنما يستحسن هذا إذا لم يوجد اللوح ولا استعارة أصلا وبالجملة إن كان المراد بالكتاب اللوح كما هو الظاهر ولهذا قدمه فلا استعارة فضلا عن تمثيل وإن أريد به الكتاب بالمعنى اللغوي فلا بد أن يكون استعارة إذ لا إمكان للمعنى الحقيقي . قوله : ( ويؤيده لا يضل ) الخ وجه التأييد أنه على هذا يكون تذييلا وتأكيدا للجملة السابقة وأما على الوجه الأول يكون تكميلا واحتراسا لدفع عسى أن يتوهم أن إثباتها في اللوح لاحتياجه إليه لاحتمال الذهاب كما في المخلوق تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا وحمل الكلام على وجه ليس فيه ذلك التوهم أولى من حمله على معنى فيه التوهم المذكور مع دفعه فهذا وإن كان أحرى بالتقديم لكنه أخره لذكره تأييده عقيبه . قوله : ( والضلال أن تخطىء الشيء من مكانه فلم تهتد إليه والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك وهما محالان على العالم بالذات ) حاصله فقد الشيء وعدم معرفة مكانه وهو عالم به حاضر لديه والنسيان أن يغيب عن الذهن بحيث يحتاج إلى كسب جديد فتقديم لا يضل للترقي من الأدنى إلى الأعلى لكن حسنه في الإثبات وأما في النفي فعكسه أحسن لكن أخر لا ينسى لرعاية الفاصلة والمراد بالعالم بالذات أن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل سواء وهو المراد بالعالم بالذات هنا فإن نسبة علمه تعالى إلى الكل لما كانت مستوية فالضلال عن البعض والنسيان عنه محال . قوله : ويجوز أن يكون تمثيلا لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة أي ويجوز أن يكون علم أحوال القرون الأولى في كتاب تمثيلا لتمكن ذلك في علمه تعالى بما حفظه العالم وقيد ما حفظه بالكتابة فعلى هذا يكون قوله علمها في كتاب مجازا لكن الكتاب حقيقة في معناه أيضا لأن مفردات الاستعارة التمثيلية حقائق في معانيها ليست مجازات كما صرح به الزمخشري في تفسير قوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] إنه من باب التمثيل وقال وتمحل التشبيه من ضيق العطن . قوله : ويؤيد لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] أي يؤيد الوجه الثاني قوله : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] وجه التأييد أن هذه الجملة وقعت مقررة للجملة الأولى لأنها كالعلة لها فإن تمكن ذلك في علم اللّه تعالى وكونه كالمكتوب إنما هو لأجل عدم نسيانه تعالى لمعلوماته .