اسماعيل بن محمد القونوي
365
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة اللّه بالأشياء كلها وتخصيصه ابعاضها بالصور والخواص المختلفة بأن ذلك يستدعي بتفاصيل الأشياء وجزئياتها والقرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط علمه بهم وبأجزائهم وبأحوالهم ) ويجوز عطف على قوله : ولذلك بهت الذي كفر بحسب المعنى أشار أولا إلى أنه عجز عن الدخل ولم ير إلا صرف الكلام عنه فسأل عن حال القرون الخالية موسى عليه السّلام لإرادة الإلزام فأجاب عليه السّلام بأنه أمر علمه مختص به تعالى وإنما أنا عبد مثلك لا نقدر أن نعلم الغيب إلا بإعلامه تعالى فلا يضر عدم علمنا بذلك الغيب برسالتنا « 1 » ثم جوز أن يكون هذا سؤالا دخلا وعلى هذا لا يتحقق صرف الكلام عنه ففي بين كلاميه نوع تنافر حيث حصر أولا على صرف الكلام عن الدخل عليه ثم جوز الدخل عليه ولو ترك الحصر فيما مضى لا يتوهم التنافر بأن يقال وأفحم عن الدخل عليه وصرف الكلام عنه إلا أن يقال إنه راجح عنده وذكر هذا على سبيل الاحتمال مع التنبيه على ضعفه وإحاطة قدرة اللّه تعالى مفهوم من قوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ [ طه : 50 ] بأي معنى كان قوله وتخصيصه معطوف على الأشياء قوله بالصور الخ . مبنى على التفسير الأول قوله بأن ذلك متعلق بدخلا قوله كيف أحاط علمه الخ . وهذا دخله واعتراضه وكيف للإنكار وهذا يستلزم إنكار قدرة اللّه تعالى بالأشياء كلها فيكون اعتراضا على قوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ [ طه : 50 ] الخ فيكون حاصله جوابك ليس جوابا لسؤالنا فإن ما ذكرته في الجواب من الوصف الذي قصدت به تعيين الرب ليس بتام فعلى هذا قوله : فَما بالُ الْقُرُونِ [ طه : 51 ] متصل بقوله : قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ [ طه : 50 ] الخ وأما على الأول فمتصل بقوله : وَالسَّلامُ عَلى مَنِ [ طه : 47 ] الخ اتصال التفصيل بالإجمال كما عرفته . قوله : ( فيكون معنى الجواب أن علمه تعالى محيط بذلك كله وأنه مثبت عنده لا يضل ولا ينسى ) ولما كان علمه تعالى محيطا بذلك كله ثبت إحاطة قدرة اللّه تعالى بالأشياء كلها فاندفع اعتراضه على قوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ [ طه : 50 ] الخ . لكن معنى الجواب أن علمه تعالى محيط بذلك ليس بمعلوم لفرعون وليس مبينا هنا « 2 » كيف يندفع الاعتراض ولو قيل إنه وإن لم يكن معلوما له لكن له تمكن من العلم بذلك فنزل منزلة العلم يرد عليه أن اعتراضه ح مكابرة فلا يستحق الجواب والحاصل أن الصواب حمل الكلام على الإفحام والإعراض عن الدخل يصرف الكلام . قوله : ويجوز أن يكون سؤاله أي سؤال فرعون بقوله : فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [ طه : 51 ] دخلا على إحاطة قدرة اللّه تعالى بالأشياء كلها .
--> ( 1 ) إذ الرسالة لا يتوقف تحققها على علم الغيب بل تتوقف على المعجزة سواء كانت تلك المعجزة علم الغيب أو غيره . ( 2 ) أي ليس مبينا ظاهرا وإلا فهو مبين بقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ إلى آخر الآية يشير إليه المص فلا تغفل .