اسماعيل بن محمد القونوي

37

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وحقيقته ما توارى عنك ) أي حقيقة وراء ما توارى عنك أي موضوع لأمر عام صادق على القدام والخلف فصح إطلاق لفظ وراء على كل منهما وأشار المصنف بقوله من بين يديه إلى أنه بمعنى القدام أولا ثم نبه على أنه يجوز أن يكون بمعنى الخلف بقوله وقيل وراء حياته وحقيقته أي حقيقة ما توارى عنك قال المصنف في تفسير قوله تعالى : وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ [ البقرة : 91 ] الآية ووراء في الأصل مصدر جعل ظرفا ويضاف إلى الفاعل ويراد به ما يتوارى به وهو خلفه وإلى المفعول ويراد به ما يواريه وهو قدامه ولذلك عد من الأضداد انتهى فقوله ما توارى عنك لشموله القدام والخلف محل نظر يعرف بالتأمل في قوله هناك . قوله : ( عطف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء ) يلقى فيها وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال فكيف حالهم إذن فأجيب بذلك ولو عطف يسقى على من ورائه جهنم لإشعاره الإلقاء والإدخال فيها لم يبعد وأيضا لو جعل جملة ابتدائية غير عطف لدلالة يسقى على يلقى اقتضاء لكان سديدا . قوله : ( عطف بيان لماء وهو ما يسيل من جلود أهل النار ) قال أبو حيان البصريون لا يجيزون عطف البيان في النكرات وإجازة الكوفيون وتبعهم أبو علي فأعرب زيتونة عطف بيان لشجرة مباركة انتهى فاختار المصنف كونه عطف بيان إذ الإبهام أولا ثم التبيين ثانيا بالصديد فيه تهويل لأمره ويجوز كونه بدل الكل أو صفة موضحة إن اعتبر مشتقا بمعنى صاد عن شربه لكن الظاهر كونه اسما جامدا كما هو الظاهر من قوله ما يسيل من جلود الخ والظاهر أن الكلام من قبيل التشبيه البليغ فإن ماء سقوه ماء حميم كما قال تعالى : وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [ محمد : 15 ] فهو مع كونه في غاية الحرارة يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة ويحتمل أن يكون المراد ذلك الصديد السائل من جلودهم فحينئذ إطلاق الماء عليه مجاز لكونه بدل الماء في جهنم قوله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً [ النبأ : 24 ، 25 ] الآية يؤيد هذا الاحتمال الثاني كما أن قوله قوله : وحقيقته ما توارى عنك هذا تعليل لأن يراد بوراء ما بعد الموت الذي هو وراء الحياة فإن أصل اشتقاق الوراء من المواراة المنبئة من معنى الاستتار والاحتجاب كقوله تعالى : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 38 ] وراء الحياة حال الموت وفي ما بعد الموت حال الشخص مخفية غير معلومة له ولغيره . قوله : تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء قال صاحب الفرائد ويمكن أن يقال هو عطف على المقدر في ورائه جهنم أي يحصل له من ورائه جهنم ويسقى فيها من ماء صديد وما قدره المص أبلغ والمقام ادعى له فإن العاطف إذا جيء بغير المعطوف عليه يدل على فخامة الأمر ومن ثمة قدر يلقى بلفظة ما الابهامية أي ما لا يدخل تحت الوصف والبيان وجملة يلقى فيها ما يلقى استئنافية فكأنه لما قيل من ورائه جهنم قيل كيف الحال ح فقيل يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد .