اسماعيل بن محمد القونوي
38
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : وَسُقُوا ماءً حَمِيماً [ محمد : 15 ] الآية يؤيد الاحتمال الأول فالوجه أنهم يسقون ماء حميما يشبه الصديد في بعض الأحيان ويسقون الصديد نفسه في بعض الأزمان أو يحمل على الاستعارة أو على التشبيه كما أشرنا آنفا . قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 17 ] يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) قوله : ( يتكلف جرعه وهو صفة لماء ) معنى التكلف أن الفاعل يتعانى ذلك الفعل ليحصل بمعاناته أي بمشقته كتشجع إذ معناه استعمل الشجاعة وكلف نفسه إياها ليحصل كذا في شرح الشافية للجاربردي والمعنى يتكلف جرعه ليحصل الجرع فيحصل جرعة غب جرعة لغلبة الحرارة والغظة لكون الماء مشابها بما يسيل من جلودهم وهو القيح المختلط بالدم أو لكون المشروب صديدا وهذا لا ينافي دخول الماء في بطونهم بل النصوص شاهدة على ذلك كقوله تعالى : يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [ الحج : 20 ] الآية وقوله تعالى : وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [ محمد : 15 ] وحصول الصهر والتقطع إنما يكون بعد الدخول والمنفي بطريق المبالغة الإساغة فإن السوغ جواز الشراب وانحداره في الحلق بسهولة ولا يلزم من انتفائه انتفاء جواز الشراب بعد تكلف وتدريج كما أشار إليه المصنف بل يغص به فيطول عذابه والسوغ الخ وقيل معنى لا يكاد يسيغه لا يكاد يدخله في قوله : يتكلف جرعه معنى التكلف مستفاد من صيغة التفعل . قوله : أو حال من الضمير في يسقى أقول ليس في يسقى ضمير لأن الجار والمجرور وهو من ماء قائم مقام فاعله ويسقى منزل منزلة الفعل اللازم ولا يجوز أن يتكلف ويقال فيه ضمير راجع إلى مصدر تقديره يسقي السقي من ماء صديد لأنه على هذا لا يصح أن يقع يتجرعه حالا من ذلك الضمير لأن السقي ليس مما يتجرع ماء وهذا الوجه الذي ذكره المص من احتمال الحالية من الضمير متروك الذكر في الكشاف فلعل تركه لأجل ما ذكرته . قوله : ولا يقارب أن يسيغه فكيف بسيغه يعني لم ينف السوغ أولا بل نفي مقاربة السوغ للمبالغة . قوله : يغص به من الغصص بفتحتين وهو بالفارسية طغام در كلو ما ندن والسوغ نقيضه من ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق ويقال سغته أنا اسوغه أو اسيغه يتعدى ولا يتعدى قال الجوهري والأجود أن يقال سغته إساغة ومنه قوله تعالى : وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ [ إبراهيم : 17 ] قوله وقيل الآية منقطعة في قوله تعالى : وَاسْتَفْتَحُوا [ إبراهيم : 15 ] ابتداء كلام مستقل منقطع عما قبله من قصة الرسل قال صاحب الكشاف وعلى هذا التفسير واستفتحوا كلام مستأنف منقطع عن حديث الرسل فإن قيل قد تقرر أن الاستئناف مناف لإدخال الواو فما هذه الواو أجيب قد ذكر أن الجملة منقطعة عن حديث الرسل وأممهم ولم يذكر أنها منقطعة على الاطلاق لأنها متصلة بقوله في مفتح السورة : وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ [ إبراهيم : 2 ] الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجا والمراد أهل مكة وتوسطت قصص