اسماعيل بن محمد القونوي

54

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 20 ] أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ( 20 ) قوله : ( أي ما كانوا معجزين اللّه في الدنيا أن يعاقبهم ) جعل الأرض مجازا كما في قوله تعالى : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [ الأعراف : 176 ] لكن لا حاجة إليه هنا مثل الحاجة هناك ويشير إليه قول من قال في الأرض مع سعتها وإن هربوا منها كل مهرب ( يمنعونهم من العقاب ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم ) . قوله : ( استئناف وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعف بالتشديد ) للمبالغة ومعنى التضعيف الزيادة على عذاب الكفر بانضمام المعاصي من الصد عن دين اللّه والتعامي عن آيات اللّه وبغيهم وغير ذلك من القبائح كما أشار إليه المص في أواخر سورة الفرقان فلا اشكال بأن السيئة لا يجزى إلا بمثلها وفي مثله دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع . قوله : ( لتصامهم عن الحق وبغضهم له ) أي لإظهار الصم لبغضهم للحق كأنهم لا يقدرون السمع ففي الكلام استعارة إما تبعية إن لم يعتبر الهيئة شبه تصامهم عن الحق وبغضهم له بعدم الاستطاعة في عدم حصول السماع النافع ولا يضره انتفاء السماع مطلقا نافعا أولا إذ انتفاء المطلق يستلزم انتفاء المقيد الذي هو وجه الشبه أو استعارة تمثيلية إن اعتبر الهيئة في الطرفين شبه الهيئة المنتزعة من ذواتهم وتصامهم وبغضهم وإعراضهم رأسا بالهيئة المنتزعة من الأصم وصممهم وعدم استطاعة السمع فاستعمل اللفظ المركب الموضوع للمشبه به في المشبه والجامع معلوم مما ذكرناه آنفا . قوله : ( لتعاميهم عن آيات اللّه ) يشير إلى أن في الكلام استعارة أيضا وأن المعنى على نفي قدرة البصر بقرينة قد نبه فإن كثيرا يراد نفي القدرة من نفي الفعل لا سيما عند القرينة كقوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [ يونس : 18 ] وعدم ذكر الاستطاعة لمحافظة الفواصل ولم يعكس لأن السمع أعظم نعمة وأوفر فائدة فالمبالغة في نفيه بنفي الاستطاعة صريحا أهم وأتم وبعضهم حمل على ظاهره وساق النكتة بقوله لما كان قبح حالهم في عدم إذعانهم للقرآن الذي طريق تلقيه السمع أشد منه في عدم قبولهم لسائر الآيات المنوطة بالإبصار بالغ في نفي الأول عنهم حيث نفى عنهم الاستطاعة واكتفى في الثاني بنفي الإبصار انتهى ولا يخفى عليك أن سائر الآيات كونها منوطة بالإبصار محل تأمل ولو سلم ذلك فعدم اعتبار المبالغة مع إمكانها على ما بينا ليس بمناسب في مقام التوبيخ والتشديد . قوله : استئناف فكأنه سئل وقيل ما حالهم في الآخرة فأجيب بأنه يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ [ هود : 20 ] وقوله عز وعلا : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ [ هود : 20 ] يحتمل أن يكون أيضا استئنافا واردا جوابا للسؤال عن سبب مضاعفة عذابهم أو حالا واقعة في معرض التعليل كأنه قيل يضاعف لهم العذاب لتضاعف سببه وهو تصامهم عن استماع الحق وتعاميهم عن آيات اللّه .