اسماعيل بن محمد القونوي

528

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه ) أي علمه علما يترتب عليه الجزاء هما وأصلا إلى مرتبة العزم المصمم كما قال في صميم قلبه فإنه إن كان هم الحسنات يثاب بهم الحسنات اتفاقا وإن كان هم السيئات فيستحق المؤاخذة عند البعض وهو المختار فإن هذا الهم يحصل بالقصد والاختيار وأما ميل النفس ومنازعة الشهوة فمعفو اتفاقا لأنه لعدم القصد والاختيار فيه لا يدخل تحت التكليف قيل هذا عطف على قوله ويترك غيره أي يثبت اللّه تعالى ما رآه وحده من غير اطلاع الملك عليه اختلف هل يكتب الملائكة ذكر القلب فقيل تكتبه ويجعل اللّه لهم علامة يعرفونه بها وقيل لا يكتبونه لأنه لا يطلع عليه غير اللّه تعالى قال النووي الصحيح أنهم يكتبونه انتهى والظاهر أن المصنف اختار أنهم لا يكتبونه لكنه يشكل بالاعتقادات الحقة أو الباطلة فإن عدم كتبهم إياها مشكل والقول بأن الكلام فيما سوى الاعتقادات ضعيف . قوله : ( وقيل يمحو قرنا ويثبت آخرين وقيل يمحو الفاسدات ويثبت الكائنات وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويثبت بالتشديد ) يمحو الفاسدات أي ما أراد عدمه فالفاسد مجاز أولي . قوله : ( أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه ) إذ الأم في اللغة بمعنى الأصل ولذا سمى الوالدة أما فإطلاق الأم على اللوح المحفوظ حقيقة والمراد بالكتب صحائف الأعمال أو عام لها وللكتب المنزلة كما يلائم قوله إذ ما من كائن الخ . قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 40 ] وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) قوله : ( وأما نرينك ) أصله إن ما نرينك إن شرطية وما مزيدة أدغمت النون في الميم . قوله : ( وكيف ما دارت الحال ) دوران الحال تقلب الزمان به حياة وموتا . قوله : أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه أي في صميم قلب العبد من الأعمال الموجبة للثواب أو العقاب عن أبي الدرداء أنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتنزل اللّه تعالى في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة وعن عمرو ابن مسعود رضي اللّه عنهما أنهما قالا يمحو السعادة والشقاوة أيضا ويمحو الرزق والآجل ويثبت ما يشاء جاء في بعض الآثار أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فيرد إلى ثلاثة أيام والرجل قد يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة قال صاحب الكشاف والكلام في نحو هذا واسع المجال لأن علم اللّه تعالى لا نفاد له ومعلوماته تعالى لا نهاية لها وكل يوم هو في شأن ومن ثمة كاد أقوال المفسرين فيه يفوت الحصر قال الإمام يزيل ما يشاء ويثبت ما يشاء من حكمه ولا يطلع على غيبه أحدا فهو المتفرد بالحكم والمستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار وغير ذلك سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .