اسماعيل بن محمد القونوي

478

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( يطلب منه أن يبلغه ) أي الباسط منه أي الماء أن يبلغه ذلك الماء فم الباسط فأنى له ذلك واستحالته ظاهرة وكذا الحال هنالك وحاصل هذا الوجه أنه شبه آلهتهم حين استكفاءهم إياهم ما أهمهم بلسان الاضطرار في عدم سماع دعائهم وفي عدم استجابتهم لو فرض سماع دعائهم بحال ماء بمرأى من عطشان باسط كفيه يناديه عبارة أو إشارة يستغيث منه أن يبلغ فمه ويدفع عطشه ويبرد كبده فهو لذلك زيادة ظمأ وخسران وعلى هذا يكون التشبيه من المركب التمثيلي وأنت تعلم أن الكاف قد يلي غير المشبه به كقوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ [ الكهف : 45 ] الآية إذ ليس المراد هنا تشبيه استجابة آلهتهم باستجابة الماء بباسط كفيه بل تشبيه حال آلهتهم في عدم السماع وعدم الشعور فضلا عن استجابة مطالبهم وإسعاف حاجاتهم بحال الماء الراكد والجاري ينادي العطشان بلسان المقال أو الحال فلا يكون له شعور بدعائه ولم يكن له استطاعة على إعطاء ما طلبه فبقي ذلك الباسط خاسرين وعن طلبه نادمين وكذا الحال في آلهتهم فيكونون حينئذ من المتحسرين لكن هذا الحال على هذا المنوال لا يظهر لهم إلا في يوم لا بيع فيه ولا خلال ومن هذا جعل ذلك مشبها بما هو أوضح وأعرف وهو حال الماء على ما فصلناه وبهذا الاعتبار كأنه شبه العقلي بالحسي مع أنه من الحسي أيضا وما هو أي الماء ببالغه على الدوام واختيار الجملة الاسمية لذلك . قوله : ( لأنه جماد لا يشعر بدعائه ) من قبيل التنبيه فالاستثناء على هذا من أعم عام المصدر أي لا يستجيبون شيئا من الاستجابة إلا استجابة مثل استجابة من بسط كفيه الخ . والظاهر أنه على حد قوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم كما في الوجه الثاني وقيل إنه في معرض التهكم حيث أثبت أنهما استجابتان . قوله : ( ولا يقدر على إجابته ) أي ولو فرض شعوره وسماعه بدعائه ولا بد من هذا التأويل وإلا لخلا عن الفائدة قال تعالى : إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [ فاطر : 14 ] الآية ( والإتيان بغير ما جبل عليه وكذا آلهتهم ) . قوله : ( وقيل شبهوا في قلة جدوى دعائهم لها ) فالاستثناء على هذا مفرغ من أعم عام الأحوال أي لا يستجيب الآلهة لهؤلاء الكفرة الداعين لها الأشبهين أعني الداعين بمن بسط كفيه ولم يقبضهما فلم يحصل على شيء لأن الماء يحصل بالقبض لا بالبسط فحينئذ يكون التشبيه من تشبيه المفرد المقيد بالمفرد كذلك كقولك لمن لا يحصل من سعيه شيء هو كالراقم على الماء فإن المشبه هو الساعي المقيد بكون سعيه كذلك والمشبه به هو الراقم على الماء وكذلك فيما نحن فيه فإن المشبه الداعين لكن لا مطلقا بل مقيدا بكونه داعين ليست باستجابة لأنها محال أن تكون من قبيل الاستجابة فما هو معلق على المحال محال فهذا كإثبات الشيء بالبينة ففيه مبالغة في نفي الاستجابة من أصنامهم .