اسماعيل بن محمد القونوي
455
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله يدبر الأمر ) علة لترجيح تلك القراءة على قراءة تفضل ولا شك أن القراءة المتواترة التي أنزل عليها القرآن اختار بعضها بعض الأئمة من القراء بدليل لاح له وبنكتة سخت له وهذا كثير في كلامهم غايته تسامح في العبارة ومراده ويؤيد هذه القراءة قوله يدبر الأمر كما صرح به في غير موضع وبعد ظهور مراده بهذه القرائن لا وجه لما قيل من أن هذا يشعر بأن القراءة بالرأي لأجل هذا وذلك ليس بصحيح ( إِنَّ فِي ذلِكَ [ الرعد : 3 ] ) أي فيما ذكره من أحوال القطع والجنات لآيات كثيرة وعظيمة فالتنوين للتكثير والتعظيم معا وكلمة في تجريدية كقوله : فِيها دارُ الْخُلْدِ [ فصلت : 28 ] إذ الأحوال المذكورة هي الآيات أنفسها لا أنها فيها قيل ويجوز أن يكون المشار إليه الأحوال الكلية والآيات أفرادها الحادثة شيئا فشيئا في الأزمنة والأمكنة ففي على معناها انتهى ولا يخفى أنه لا وجود للكلي إلا في ضمن الجزئي فلا يكون مشارا إليه من حيث هو هو على أنه يفوت المبالغة حينئذ ( يستعملون عقولهم بالتفكر ) فيعقلون من العقل بمعنى قوة الإدراك الكلي لا بمعنى الإدراك الكلي ولذا لم يقدر مفعولا ووجه التخصيص لأنهم المنتفعون بها وذكر يعقلون هنا ويتفكرون فيما قبله بمجرد التفنن الذي هو من أفانين البلاغة . قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 5 ] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) قوله : ( وإن تعجب يا محمد ) من شيء فحينئذ صيغة الشك في موضعها وأما على ما اختاره المص ( من ) قوله ( إنكارهم البعث حقيق بأن تتعجب منه ) فالتعجب متحقق فصيغة أن مشكلة ومع هذا يلزم اتحاد الشرط والجزاء بحسب الظاهر وقوله المصنف حقيق بأن يتعجب منه إشارة إلى دفعه كأنه قيل وإن تعجب يا محمد في إنكار البعث فقد أصبت لكونه حقيقا بأن يتعجب منه كأن علة الجزاء أقيم مقامه قيل ولو سلم فليكن من قبيل من كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله أي فتعجبك تعجب كامل في موقعه العظيم انتهى وكلام المصنف حيث أقحم حقيق لائم هذا التوجيه نعم هذا وجه آخر حسن في دفع إشكال اتحاد الشرط والجزاء وذهب أبو حيان إلى أن المعنى أن يقع منك تعجب فليكن من قولهم أَ إِذا مِتْنا [ المؤمنون : 82 ] الخ فجعل تعجب منزلا منزلة اللازم وهذا أيضا وجه جزيل لكن لا حاجة إلى جعله منزلا منزلة اللازم إذ لو كان المعنى هكذا وإن تعجب من شيء ما فعجب قولهم إذ لا شيء أعجب منه كما أشار إليه بعض المتأخرين وجوز الطيبي أن يكون المعنى وإن تعجب يا من ينظر في هذه الآيات من قدرة من هذه أفعاله فازدد تعجبا ممن ينكر مع هذه القدرة القاهرة قدرته على البعث وهو أهون من هذه واستحسنه صاحب الكشف وأنت خبير بأن بين التعجبين بونا بعيدا والأول عجب من زيادة الكمال بحيث يتحير العقول والثاني تعجب من فرط القبح وكمال التعنت وشدة الغفول غاية الأمر في الارتباط إنكارهم قدرة البعث مع هذه القدرة الباهرة كما صرح به .