اسماعيل بن محمد القونوي

412

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تعالى على من سمعه يقول اللهم تصدق على أن اللّه لا يتصدق إنما يتصدق من يبتغي الثواب قل اللهم أعطني وتفضل علي وإنما رده مع وروده في الحديث لأن القائل لم يكن بليغا يقدر على التعبير عن معنى واحد بطرق مختلفة فيخاف منه سوء الفهم على أنه يجوز أن يفرق بين الأمر والدعاء وبين الخير والثناء هذا قيل وإنما لم يبدؤوا بما أمروا به استجلابا للرأفة والشفقة فإن رق قلبه لنا ذكرنا له ما هو المقصود ممن تحسس يوسف وأخيه وإلا سكتنا . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 89 ] قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ( 89 ) قوله : ( أي هل علمتم قبحه فتبتم عنه وفعلهم بأخيه إفراده عن يوسف وإذلاله حتى كان لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة ) أي هل علمتم قبحه قدر المضاف لأن الإنسان يعلم لا محالة ما فعله خصوصا بشخص ملوم فلا معنى للسؤال عنه بل هم يعلمون أيضا قبحه فالسؤال في الحقيقة التوبة عنه ولذا قال المصنف فتبتم عنه وذكر القبح للتوسل إليه ثم شرع في بيان ما فعلوه بأخيه بنيامين فقال إفراده أي تفريقه عن يوسف وإذلاله وتحقيره وأما ما فعلوه بيوسف فهو مستغن عن البيان لكونه مستوفى البيان إلى الآن قيل إذ أنتم جاهلون متعلق بفعلتم على هذا التقدير لأنه لا يصح هل علمتم قبحه إذ جهلتموه بل هل علمتم قبحه بعد ما فعلتموه جاهلين به وهو تلقين الجواب لا الخطاب على وجه العتاب كما في قوله : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] وتخفيف الأمر عليهم كأنه قيل ولولا جهلكم ذلك القبح لما فعلتموه انظر هذه الخصلة الحميدة حيث قابل السيئة بالحسنة والحصة لنا التخلق بهذه الصفة . قوله : ( قبحه فلذلك أقدمتم عليه أو عاقبته وإنما قال ذلك تنصيحا لهم وتحريضا على التوبة وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبا وقيل أعطوه كتاب يعقوب في تخليص بنيامين وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه فقال لهم ذلك وإنما جهلهم لأن فعلهم كان فعل الجهال ) أو عاقبته أي ما آل إليه أمر يوسف من قوله : ( هل علمتم فتبتم عنه ) يعني استفهم بهل من كان عالما بما فعله وجعل الفعل ماضيا وقيده بقوله : إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ [ يوسف : 89 ] ليفيد الحث على التوبة يعني هل استمر ذلك الجهل بقبح الفعل أم تدورك بالعلم الموجب للرجوع منه وتلاقيه بالتوبة فإن العامل إذا انجلى له قبح القبيح لا يتوقف رجوعه منه ولهذا الترتيب جاء بالفاء في قوله : ( فتبتم . ) قوله : أو لأنهم حينئذ كانوا صبيانا طياشين من الطيش وهو خفة العقل فعلى هذا الوجه يشبه أن يكون قوله : إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ [ يوسف : 89 ] تعليما منه للاعتذار كما قال موسى : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [ الشعراء : 20 ] في جواب وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ [ الشعراء : 19 ] وهم لو طلبوا عذرا لم يجدوا كذلك كقوله تعالى : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] فإنه فيه إشارة إلى الجواب بأن يقول غرني كرمك يا رب .