اسماعيل بن محمد القونوي
4
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو كتاب خبر مبتدأ محذوف ) والمراد بالكتاب أيضا إما السورة أو القرآن كلا أو بعضا فعلى هذا آلر إما في حيز الرفع بالابتداء أو الخبر أو في حيز النصب أو الجر أو لم يكن لها محل من الإعراب كما فصل في سورة البقرة . قوله : ( نظمت نظما محكما ) أي أحكمت من الإحكام ونظم الآيات تأليف كلماتها مترتبة المعاني متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل لا تواليها في النطق وضم بعضها إلى بعض كيف ما اتفق وفيه استعارة لطيفة إذ فيه إشارة إلى أن كلمات آياته كالدرر والفرائد . قوله : ( لا يعتريه اختلال من جهة اللفظ والمعنى ) أي لا يطرء عليه ما يخل بلفظه ومعناه والمضارع في مثل هذا للاستمرار مثل قوله تعالى : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ [ فصلت : 42 ] الآية قيل وعبر بالمستقبل لأن الماضي والحال مفروغ عنه انتهى والنظم الجليل وقع بلفظ الماضي فكيف يكون الماضي والحال مفروغا عنه فالأولى كون الماضي والمستقبل في هذا وأمثاله للاستمرار ثم الظاهر أن هذا صفة كاشفة لمحكما أي معنى الإحكام عدم تطرق الخلل لا أن عدم طريان الخلل متفرع على الإحكام ويؤيده عدم اتيان الفاء في لا يعتريه أي لا يطرء عليه خلل من جهة اللفظ بأن يشتمل ما يخل بالبلاغة والفصاحة ومن جهة المعنى بأن يشتمل تناقضا ومخالفا للواقع والحكمة قال تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] وهذا المعنى يلائم الاستمرار لا المستقبل فقط ورجح هذا المعنى لأنه ينتظم كون المراد بالر مجموع القرآن كما هو الظاهر أو السورة فقط . قوله : ( أو منعت من الفساد والنسخ ) عطف على نظمت فأحكمت أيضا من الإحكام لكنه بمعنى المنع ومنه حكمة الدابة لحديدة في فمها تمنعها الجماح ومنه أيضا أحكمت السفيه إذا منعته من السفاهة فهو هنا ليس مستعارا لعدم الداعي له بل على معناه الحقيقي بخلاف الأول فإنه مستعار من إحكام البناء بجامع الأمن عن الانتقاض والخلل قوله والنسخ عطف تفسيري للفساد لكن ترك الفساد أولى إذ اطلاقه على النسخ ليس بأحرى وإرادة معنى غير النسخ ليس بصحيح كما لا يخفى . قوله : ( فإن المراد آيات السورة وليس فيها منسوخ ) تعليل لصحة إرادة هذا قوله : نظمت نظما محكما فسر لفظ أُحْكِمَتْ [ هود : 1 ] على أربعة أوجه الوجه الأول إن أحكمت بمعنى جعلت آياته رصينة اللفظ والمعنى والثاني بمعنى أثبتت أي جعلت آياته ثابتة الحكم غير منسوخة والثالث بمعنى أثبتت آياته أي جعلت آياته ثابتة بالحجج في أنها من عند اللّه لا أنها كلام البشر والرابع بمعنى جعلت آياته حكيمة على المجاز وصفا للكلام بصفة متكلمه أو جعلت آياته ذوات حكمة لاشتمالها على الحكم النظرية والعملية فعلى هذا الوجه تكون الهمزة للنقل بخلاف الوجوه الثلاثة الأول فإن الهمزة فيها ليست للنقل بل وضع احكم ابتداء لذلك ومثله كلم بالتشديد في قوله عز وجل : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] لأنه ليس للتكثير بل إنه موضوع لذلك ابتداء قاله ابن الأثير .