اسماعيل بن محمد القونوي

328

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فيقتبس أي فيأخذ منه فينتفعون به والاقتباس أخذ شعلة من النار فاستعير هنا لأخذ النور والعلم الذي هو بدر البدور قوله للدلالة على اختصاصهم أي بالكفر وامتيازهم به عن الكنعانيين فضمير الفصل وهو الثاني يفيد قصر المسند على المسند إليه لتعقيبه المسند إليه وهو الضمير الأول ولا مدخل للتكرار فيه حتى لو لم يكرر لتحقق الحصر بالتعقيب المذكور والتوكيد من تكرير الضمير لتكرر الإسناد فقوله وتكرير الضمير متضمن للمعنيين التكرير والتعقيب المذكور فالاختصاص ناظر إلى الثاني والتوكيد إلى التكرير وتقديم المعمول لمجرد رعاية الفواصل على ما هو الظاهر من كلام المصنف لا للاختصاص فإنه لو حمل عليه لا يستقيم المعنى إذ يلزم منه اختصاص كفرهم بالآخرة ولا شك في عدم استقامته إلا بالتكلف البعيد وإنما أكد كفرهم بالآخرة دون كفرهم باللّه تعالى لأن الكفر بالآخرة منشأ لكفر سائر المعتقدات فإن من كفر بها لا يخاف الآخرة ومن لم يخف عنها لا ينظر بالنظر الصحيح ولا يتدبر فلا يؤمن باللّه تعالى ونبيه وكتبه وغير ذلك من المؤمن به فلذا خص كفر الآخرة بالتأكيد وكذا الحال في تصديقها قال تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ الأنعام : 92 ] الآية وتخصيص كفرهم باللّه واليوم الآخر لأنهما مقصودان أعظم وقوله إني تركت من قبيل ضيق فم البئر إذ الترك عبارة عن عدم التعرض وليس من شرطه أن يكون خائفا فيه فلا إشكال . قوله : ( ما كان لنا ما صح لنا معشر الأنبياء أن نشرك ) ما كان لنا أي ما استقام وما صح ذلك فضلا عن الوقوع وإليه أشار بقوله ما صح لنا لأن لنا نفوسا قدسية مؤيدة بتأييدات سبحانية نرى الأشياء بحقيقتها بالعيان وهو أقوى من البيان بالبرهان فكيف يتوقع منا ويصح ذلك القبيح الذي هو قبحة مشاهدة بالأعيان قوله معشر الأنبياء أي جماعة الأنبياء قاطبة الظاهر أنه منصوب بتقدير يعني بالضمير معاشر الأنبياء . قوله : ( أي شيء كان ) أي كلمة من زائدة في المفعول سواء كان مفعولا مطلقا أو مفعولا به فيفيد العموم أي لا نشرك باللّه في العبادة شيئا من الأشياء صنما كان أو ملكا أو جنيا أو غير ذلك وفي هذا العموم مزيد مبالغة في التوبيخ حيث عبدوا من كان على سيرتهما صنما جمادا لا يتوقع منه قطعا نفعا ولا ضرا مع أن العبادة لغير اللّه تعالى من الملك والجن ليس بصحيح فضلا عن الوقوع وأن حالهما ليس كحال الجماد ثم قوله ما كان لنا للعموم في النفي لا لنفي العموم ( أي التوحيد ) . قوله : ( بالوحي ) أي من جهة الاعتداد وإلا فالتوحيد لا يتوقف على الشرع لتوقف الشرع عليه فإثباته بالوحي مشكل فمراده ما قلنا ولو قال بالتوفيق إلى النظر الصائب والفكر الثاقب في الآيات الآفاقية والأنفسية يدل بالوحي أو معه لكان أسلم من التوجيه وحسبك استدلال إبراهيم عليه السّلام بالأمور المحدثات على وحدانية صانع الموجودات وكذا الحال في سائر الأنبياء وآحاد الأمة ويمكن الجواب بأنه إنما اختار هنا الوحي ليحسن التقابل بينه وبين قوله بنصب الدلائل .