اسماعيل بن محمد القونوي
78
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة ) فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [ الأنعام : 35 ] الفاء لإيذان ترتب النهي على بيان انتفاء تعلق مشيئته تعالى بذلك والمعنى أثبت ودم على ما أنت عليه من عدم الجهل إذ صدور ما هو من دأب الجهلة ليس بمتوقع منه عليه السّلام أو الخطاب لرسول اللّه عليه السّلام والمراد أمته كقوله : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ البقرة : 147 ] أو المراد تحقيق الأمر وأنه مما لا ينبغي الجهل فيه إذ وقوع خلاف مراده تعالى مستحيل وكلام المص وإن كان ساكتا عن هذه التأويلات لكن يجب حمل كلامه عليها ولا ينبغي أن يغفل عنها . قوله : ( بالحرص على ما لا يكون ) أي بعد العلم بأنه لا يوجد لعدم تعلق المشيئة بوجوده وأما حرصه الواقع قبل هذا فلعدم علمه عليه السّلام بذلك فلا يعد ذلك من صورة الجهل فالمعنى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [ الأنعام : 35 ] أي دم على ذلك بعدم الحرص على ذلك ولعل المراد قوم مخصوصون علم اللّه أنهم لا يؤمنون فهو عام خص منه البعض والمراد بالجاهل مرتكب الذنب وإن كان عالما ولذلك قيل من عصى اللّه فهو جاهل كذا قاله المص في تفسير قوله تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [ النساء : 17 ] الآية من سورة النساء وحاصله أن علمه منزل منزلة الجهل لعدم جريه على موجب العلم فيكون استعارة قوله فإن ذلك من دأب الجهلة إشارة إليه ( والجزع في مواطن الصبر فإن ذلك من دأب الجهلة ) . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 36 ] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) قوله : ( إنما يجيب الذين ) لا يظهر وجه تفسير يستجيب بيجيب لأن الاستجابة أخص من الإجابة كما صرح به في أواخر سورة آل عمران وحاصله ان استفعل بمعنى افعل مثل استخلصه بمعنى أخلصه واستوقد بمعنى أوقد ومع ذلك فرق بينهما والمناسب هنا المعنى الأخص وهو ما يكون بتحصيل المطلوب . قوله : ( يسمعون بفهم وتأمل ) إذ المتبادر من إطلاق السمع ذلك وأما السمع بدون الفهم كلا سمع في عدم الفائدة . أنه تعالى أراد منهم الإقدام على الإيمان حال كون الداعي إلى الإيمان وإلى الكفر على السوية أو حال حصول هذا الرجحان والأول تكليف ما لا يطاق لأن الأمر بتحصيل الرجحان حال حصول الاستواء تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال وإن كان الثاني فالطرف الراجح يكون واجب الوقوع والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع وكل هذه الأقسام ينافي ما ذكروه من المكنة والاختيار فسقط قولهم بالكلية أقول قوله وإن كان الثاني فالطرف الراجح يكون واجب الوقوع والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع في حيز المنع لأن القدرة على المرجوح لم تكن مسلوبة عند رجحان الطرف الآخر عنده وهذا معلوم عند الوجدان بل واقع وأقل ما يكون أن رجحان أحد الطرفين عند الفاعل لا ينفي القدرة على الطرف المرجوح غايته أنه لا نختاره .