اسماعيل بن محمد القونوي
77
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( حتى يؤمنوا ) أي يصرف اختيارهم إلى الإيمان . قوله : ( ولكن لم يتعلق به مشيئته ) لعدم صرف اختيارهم إلى جانب الهدى كما قيل أو لحكمة استأثر اللّه بعلمها أو لأن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإقبال الكلي فإنه مما يشوش المعاش أشار بمثل هذا في قوله تعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [ البقرة : 128 ] الآية . قوله : ( فلا تتهالك عليه ) وإن لم تكن تلام عليه وقوله والمعتزلة أولوه وصرفوه عن ظاهره بناء على أن مذهبهم أنه تعالى أراد الإيمان من الكفار فتتعلق مشيئته تعالى بجمعهم على الهدى على زعمهم مع أن الآية دلت على انتفاء تعلق مشيئته تعالى به كما صرح به المص بقوله ولكن لم تتعلق به مشيئته فاضطربوا وذهبوا إلى ما نقله المص وزعموا أن ما انتفى هو تعلق مشيئته تعالى بإنزال آية ملجئة لا انتفاء تعلق مشيئته تعالى به بالمعنى الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة ( والمعتزلة أولوه بأنه لو شاء اللّه لجمعهم على الهدى بأن قوله : والمعتزلة أولوه الخ والمعتزلة أوجبوا على اللّه تعالى عدة أمور منها اللطف وهو عندهم عبارة عما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية بحيث لا ينتهي إلى حد الايجاب ومن جملة الطافه تعالى لعباده أن يهديهم ويوفقهم إلى الإيمان فأوجبوا ذلك على اللّه تعالى ولما دلت الآية دلالة ظاهرة على أنه تعالى لم يشأ جمعهم على الهدى وخالف ذلك مذهبهم أولوها بأن معناها ليس سلب تعلق مشيئة اللّه بجمعهم على الهدى مطلقا بل المراد سلب تعلقها به على وجه الإيجاب وعندنا لا يجب على اللّه شيء فيجوز أن لا يتعلق مشيئته بهدى العبد مطلقا قال الإمام تقديره ولو شاء اللّه هداهم لجمعهم على الهدى وحيث ما جمعهم على الهدى وجب أن يقال إنه ما شاهدهم وذلك يدل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر بل يريد بقاءه على الكفر والذي يقرر هذا الظاهر أن قدرة الكافر على الكفر إما أن تكون صالحة للإيمان أو غير صالحة فإن لم تكن صالحة فالقدرة على الكفر مستلزمة للكفر وغير صالحة للإيمان فخالق هذه القدرة يكون قد أراد الكفر منهم لا محالة وأما إن كانت هذه القدرة كما أنها صلحت للكفر فهي أيضا صالحة للإيمان فلما استوت نسبة القدرة إلى الطرفين امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر إلا الداعية مرجحة وحصول تلك الداعية ليس من العبد وإلا وقع التسلسل فثبت أن خالق تلك الداعية هو اللّه وثبت أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة بوجه الفعل فثبت أن خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر وغير مريد لذلك الإيمان فهذا البرهان اليقيني قد قوى ظاهر هذه الآية ولا بيان أقوى من أن يتطابق البرهان مع ظاهر القرآن قالت المعتزلة المراد لو شاء اللّه أن يلجئهم إلى الإيمان لجمعهم عليه قال القاضي عبد الجبار والالجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه وحينئذ يمتنعون من فعل شيء غير الإيمان ومثاله أن أحدنا لو حصل بحضرة السلطان وحضر هناك من حشمه الجمع العظيم وهذا الرجل علم أنه لو هم بقتل السلطان لقتلوه في الحال فإن هذا العلم يصير مانعا له من قصد قتل السلطان ويكون سببا لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل فكذا ههنا إذا عرفت الالجاء فيقول إنما ان اللّه تعالى إنما ترك فعل هذا الالجاء لأن ذلك يزيل تكليفهم فيكون ما يقع منهم كأن لم يقع وإنما أراد تعالى أن ينتفعوا بما يختارونه من قبل أنفسهم من جهة الوصلة به إلى الثواب وذلك لا يكون إلا اختيارا والجواب عنه