اسماعيل بن محمد القونوي

69

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

اللعب إياهم عن ذلك فح يحسن الأعم بعد ذكر الأخص كقوله تعالى : وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا [ مريم : 51 ] أي أرسله اللّه تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذا قدم مع أنه أخص وأعلى فلا تغفل وأما تقديم اللهو في بعض الآيات كما في العنكبوت فلا يحتاج إلى النكتة لأنه أعم وتقديم الأعم على الأخص في محله إذ العام لا يدل على الخاص وأما ما قيل فاللعب قدم هنا لأن الكلام سيق لرد الكفرة في حصر الحياة في الحياة الدنيا المستلزم لإنكار الآخرة فليس في اعتقادهم إلا ما عجل من المسرة بزخارف الدنيا الدالة على اللعب قدم على اللهو فهو ضعيف لأن ما ذكر فدلالته على اللهو أظهر صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف به على أنه لا يدفع إشكال تقديم الأخص مع أنه يفهم منه الأعم ثم قال وأما في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة الحياة بالقياس إلى الآخرة وتحقيرها بالنسبة إليها ولذا ذكر اسم الإشارة المشعر بالتمييز وعقب بقوله : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ [ العنكبوت : 64 ] والاشتغال باللهو مما يقصر به الزمان وهو أدخل من اللعب فيه وأيام السرور قصار انتهى وهذا عجيب منه لأن اللعب كونه مما يقصر به الزمان أظهر وأشهر والأتعاب إنما تكون من اللعب كما يشاهد من الصبيان ثم الظاهر من كلام المص هنا أنه جعل اللعب واللهو مترادفان كما فهم من بعض كتب اللغة لكن يشكل العطف ح فالأولى الإشارة إلى التغاير كما بينه في سورة الأعراف . قوله : ( وهو جواب لقولهم ) أي جواب بطريق الرد إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [ الأنعام : 29 ] . قوله : وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ [ الأنعام : 32 ] كما نبه عليه بقوله على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو ويفهم منه أن ما عمله المتقون ليس بلعب ولا لهو والآية الكريمة مسوقة لبيان ذلك فلا جرم في وجوب تقدير المضاف . قوله : ( لدوامها ) وعدم فنائها بخلاف الدار الدنيا فإنها فانية قوله ( وخلوص منافعها ) أي خلوص نعمها عن شوائب المضار بخلاف نعم الدنيا فإنها مخلوطة بالمشاق والآلام فتكون الدار الآخرة هي الحيوان ويستفاد منه جواب آخر لقولهم إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [ الأنعام : 29 ] كأنه قيل إن هي إلا حياة الآخرة على أنه قصر قلب ( ولذاتها ) . قوله : ( وقوله للذين يتقون تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو ) فيكون هذا تقريرا لقوله : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [ الأنعام : 32 ] مع التخصيص فإنه فهم منه أن كون الحياة الدنيا لعبا « 1 » ولهوا إنما هو بالنظر إلى أعمال غير المتقين وأما بالنسبة إلى أعمال المتقين فليست لعبا ولهوا بل هي مزرعة الآخرة كما قال عليه السّلام

--> ( 1 ) واعلم أن اللهو له معنيان أحدهما الهزل والثاني صرف النفس عن أمر إلى غيره ومادتهما واحدة وهو واوي ويائي قال الراغب يقال لهوت ولهيت لكن المشهور كون آخره واوا وأن المراد هنا المعنى الثاني كما عرفته .