اسماعيل بن محمد القونوي

58

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وهو جائز عند اقتضاء المقام لأنه إن لم يكن في حيز التمني فما الفائدة في العطف وما المقتضى له وإن كان في حيزه فقد عرفت أنه مجزوم على تقدير الرد والقول بأن الحق ان هذا العطف إنما يصح فيما له محل من الإعراب وإن من النحاة من جوزه مطلقا ونقله أبو حيان عن سيبويه لا مساس للمقام إذ العطف يقتضي أن يكون من التمني على ما هو مقتضى العطف فالظاهر أنه منقطع عما قبله . قوله : ( كقولهم دعني ولا أعود ) أي قوله ولا أعود مرفوع لا منصوب ولا مجزوم قول المص ( أي أنا لا أعود ) إشارة إلى أنه استئناف على وجه الإخبار وأنه خبر مبتدأ محذوف أو بيان حاصل المعنى ومقتضى ذلك أن يقال في النظم الجليل نرد ولا نكذب ونحن لا نكذب لكنه سكت عنه لعدم ما يقتضيه وذكره هنا للتوضيح وفي شرح المفصل أنه رفع لتعذر النصب والجزم على العطف أما النصب فيفسد المعنى إذ المعنى ح ليجتمع تركك لي وترك لا نهيت عنه وقد علم أن طلب هذا المتأدب لترك المؤدب إياه إنما هو في الحال بقرينة ما عداه من ألمه وقصد المؤدب الترك لما نهى عنه في المستقبل وأما الجزم فلا يستقيم أما بالعطف على دعني فظاهر لأنه لا يعطف معرب على مبني ولا محل له حتى يعطف وأما جعله نهيا معطوفا على الأمر فإنه لا يلزم من النهي تحقق الامتناع ألا ترى إلى تناقض أنا لا أفعل كذا في كل وقت ثم أفعله وعدم تناقض أنا أنهي نفسي عن كذا في كل وقت ثم افعله انتهى . كما نقله البعض قوله إن طلب هذا المؤدب الخ . إشارة إلى أن هذا الكلام يقوله من أذنب وفعل المعصية لمن يؤدبه من الناصح فالمعنى دعني حالا ولا تلم على ما صدر مني لأنا لا أعود ذلك الذنب في المستقبل والمناسبة بين هذا وبين النظم الكريم وقوع الجملة المستأنفة بعد الإنشاء ولا مساغ للعطف وإن وقعت هذه الجملة بعد التمني في النظم الجليل وبعد الأمر في هذا القول وما نقل عن المحقق التفتازاني من عطف الاخبار على الإنشاء فليس بجار لما مر من شرح المفصل . قوله : ( تركتني أو لم تتركني ) إشارة إلى كونها مستأنفة منقطعة عما قبلها إذ لو لم تنقطع عما قبلها يكون المعنى ولا أعود حين الترك لكن الأولى تركتني أو لم تتركني . قوله : ( أو عطف على نرد أو حال من الضمير فيه ) فيكون من عطف الإنشاء على قوله : أو عطف على نرد فيكون هو داخلا معه في حيز التمني فعلى هذا يكون قولهم ولا نكذب ونكون من المؤمنين إنشاء والإنشاء يجري فيه الصدق والكذب فأشكل حينئذ قوله عز وجل : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام : 28 ] فحل في ذلك الإشكال بقوله : وقوله : إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام : 28 ] راجع إلى ما تضمنه التمني من الوعد أي هذا التمني وإن كان إنشاء غير صالح لجريان الصدق والكذب فيه لكنه متضمن لخبر هو غير إنشاء يرجع معنى الكذيب بقوله وانهم لكاذبون إليه وهو أنا إن رددنا إلى الدنيا لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين فكذبوا في وعدهم هذا بأنهم لكاذبون أي إن ردوا إلى الدنيا يكذبون ولا يؤمنون لقوله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] .