اسماعيل بن محمد القونوي

38

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تعالى : فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الأنعام : 17 ] دليل لهذا المحذوف لأنه إشارة إلى الكبرى ويأخذ منها الصغرى أي أن الخبر المذكور شيء مقدور وكل شيء مقدور للّه تعالى فحفظه مقدور للّه تعالى قوله ( فلا يقدر على دفعه غيره ) جواب محذوف يدل كقوله تعالى في سورة هود : فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [ يونس : 107 ] كما أشار إليه بقوله لقوله فلا راد لفضله مع التنبيه أيضا على أن المراد نفي القدرة على الرد إما لكونه أبلغ أو لأن بعض الخبر لا يرد كثواب الآخرة لكنه تعالى قادر على رده ودفعه . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 18 ] وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) قوله : ( تصوير لقهره ) أي الكلام استعارة تمثيلية يشبه الأمور المأخوذة من ذاته تعالى ( وعلوه بالقهر والغلبة والقدرة ) على العبادة بالهيئة المنتزعة من شخص وكون ذلك الشخص فوق غيره من العباد وتمكنه من فعل ذلك الغير ما أراده فذكر اللفظ المركب المستعمل في الهيئة المشبه بها وأريد بها الهيئة المشبهة والفرق بين القهر والقدرة أن القهر الغلبة والحمل على الشيء من غير اختيار المحمول والقدرة الغالبة فقط الجار متعلق بالعلو ولما كان الكلام استعارة تمثيلية تشبيها للمعقول بالمحسوس اندفع توهم الجهة والمكان وفوق ظرف للقاهر أي المستعلي استعلاء معنويا بحيث يفعل ما يريده سواء كان العباد طوعا أو كرها وليس المعنى أنه المستعلي فوق عباده بالرتبة والمنزلة والشرف لأنه مع عدم مناسبته للمقام بعيد عن الأذهان لأن العباد لا رتبة لهم والشرف بالنسبة إليه تعالى حتى يكون المعنى ذلك وإن قوله وهو القاهر فوق عباده عبارة على كمال القدرة كما اعترف به ذلك القائل فما ذكر من الرتبة لا مساس له . قوله : ( في أمره وتدبيره ) حمل الحكيم على المحكم في مبدعاته كما صرح به في أوائل البقرة فيكون فعيل بمعنى المفعل وأنكره الشيخان في عذاب أليم واشتباه في قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ [ الأنعام : 101 ] وقد يجيء الحكيم بمعنى ذو الحكمة وهي إيقان العلم واتقان العمل لكن قوله في أمره لا يلائمه وكذا قوله شهاب الخبير لا يناسبه . لأنه بمعنى العليم قوله : تصوير لقهره وعلوه بالغلبة وإلا فهو تعالى منزه عن الفوق والتحت والأمكنة والجهات كقوله عز وجل : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ [ الأعراف : 127 ] قاهر معنى العلو والغلبة مستفاد من لفظ الفرق ومن كلمة على فهو مجاز مبني على الكناية قال الإمام اعلم أن صفات الكمال محصورة في العلم والقدرة فإن قالوا كيف أهملتم وجوب الوجود قلنا ذلك عين الذات لا صفة قائمة بالذات لأن الصفة القائمة بالذات مفتقرة إلى الذات والمفتقر إلى الذات مفتقر إلى الغير فيكون ممكنا لذاته واجبا لغيره فيلزم حصول وجوب قبل الوجوب وذلك محال فثبت أنه عين الذات فثبت أن الصفات التي هي الكمالات حقيقتها هي العلم والقدرة فقوله : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [ الأنعام : 18 ] إشارة إلى كمال القدرة وقوله : وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [ الأنعام : 18 ] إشارة إلى كمال العلم وقوله : وَهُوَ الْقاهِرُ [ الأنعام : 18 ] يفيد الحصر ومعناه أنه لا موصوف بكمال القدرة وكمال العلم إلا الحق سبحانه وعند هذا يظهر أنه لا كامل إلا هو وكل من سواه فهو ناقص .