اسماعيل بن محمد القونوي

368

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( اعتذروا واحتجوا بأمرين تقليد الآباء والافتراء على اللّه فأعرض عن الأول ) أي أعرض عن التصريح برده وإن فهم رده من قوله إن اللّه لا يأمر بالفحشاء لأن عدم أمره بها يتضمن رد التقليد فيما هو قبيح عقلا ولذا قال فيما سيأتي وعلى الوجهين يمنع التقليد إذ التقليد واقع في الأديان المتناقضة الباطلة فلو كان التقليد حقا لزم القول بحقيقة الأديان المتناقضة الباطلة فلما كان فساده ظاهرا لم يذكر اللّه تعالى كما قال الإمام . قوله : ( لطهور فساده ) إذ التقليد حاصل في الأديان الباطلة ومعلوم أن كل واحد من أصحاب الأديان الباطلة يضلل صاحبه ويحكم بخذلانه ( ورد الثاني بقوله قل إن اللّه لا يأمر بالفحشاء ) كيف وأنه تعالى نهى عنها اعلم أن المراد بالفحشاء المعاصي في نفس الأمر لكن أرباب الضلال يزعمون أنها طاعات ولهذا قالوا واللّه أمرنا بها فرد اللّه تعالى بأنها مع كونها كريهة مستقذرة عند الطبع السليم ثبت على لسان الرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة فكيف القول بأنه تعالى أمرنا بها . قوله : ( لأن عادته تعالى جرت على الأمر ) أي إن اللّه تعالى أمر بمحاسن الأفعال دائما على ما دل عليه الاستقراء التام وكما نطق به الكتب الإلهية وكل من أمر بمحاسن الأفعال على الدوام لا يأمر بالفحشاء أما الصغرى فلأن منشأ الدوام مراعاة المصلحة لطفا بحيث لا يتخلف أصلا أما الكبرى فلأن الأمر بالفحشاء مخل للحكمة فينتج الدليل فاللّه لا يأمر بالفحشاء وهو المطلوب مع أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي المنفي يفيد الحصر فلا وجه لما قيل من أنه لا يستلزم نفي أمره بالفحشاء . قوله : ( بمحاسن الأفعال والحث على مكارم الخصال ولا دلالة فيه على أن قبح الفعل قوله : اعتذروا قال الإمام إن اللّه حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على اقدامهم على الفواحش بأمرين أحدهما أنا وجدنا عليها آباءنا والثاني أن اللّه أمرنا بها واللّه تعالى لم يذكر جوابا عن حجتهم الأولى لأنها إشارة إلى محض التقليد وقد تقرر في المعقول أنه طريقة فاسدة لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان التقليد طريقا حقا لزم القول بحقيقة الأديان المتناقضة وأنه محال فلما كان فساد هذا الطريق ظاهرا لم يذكر اللّه جوابا عنه وأجاب عن الحجة الثانية بقوله : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] والمعنى أنه لما كان هذه الأفعال منكرة قبيحة فكيف يمكن القول بأن اللّه يأمر بها . قوله : ولا دلالة فيه على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلا عقلي اعلم أن الحسن والقبيح يطلقان على ثلاثة أمور الأول أن الحسن ما يكون صفة كمال والقبيح ما يكون صفة نقص والثاني الحسن ملائما للطبع والقبيح ما يكون منافرا له وهذان المعنيان لا خلاف في أنهما عقليان لأن الفعل مستبد بدركهما والثالث أن الحسن ما يتعلق به الثواب آجلا والقبيح ما يتعلق به العقاب آجلا وهذا القسم لا يستقل العقل بإدراكه فلا مجال للعقل فيه حتى يقال إنه حسن عقلا أو قبيح عقلا بل حسنه وقبحه مستفادان من قبل الشرع بمعنى أن ما يأمره الشرع بفعله فهو حسن شرعا وما نهاه الشرع فهو قبيح شرعا فالفاحشة من باب القبيح العقلي لكن لا بمعنى ترتب الذم عليه بل بمعنى أنها منافرة للطبع ولا دلالة في الآية على أنها قبيحة عقلا بمعنى ترتب الذم عليها .