اسماعيل بن محمد القونوي
29
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( والفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم ) لأنها للسببية مع التعقيب والأصل فيها أن تدخل على المسبب فيفيد أن عدم إيمانهم أي أن بقاءهم على الكفر بسبب خسرانهم أي بسبب عدم إيمانهم أولا وإصرارهم عليه ولذا قيل لا يؤمنون ولم يقل فلم يؤمنوا والحاصل أن اختيارهم الكفر وإصرارهم عليه في الماضي بسبب ختم اللّه على قلوبهم وهو سبب لعدم إيمانهم في المستقبل وهذا كثير في النظم الجليل وقد نبه عليه المص بقوله فإن إبطال العقل إلى قوله يؤدي إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان أي فيما سيأتي فلا وجه للإشكال بأن الخسران مرتب على عدم الإيمان وقد عكس في النظم لما عرفت من أن الخسران وهو إبطال العقل الذي هو رأس المال بسبب التقليد في الكفر أولا مرتب على ذلك الكفر الأول بسبب التقليد وعدم الإيمان فيما سيأتي والامتناع عنه في المستقبل مترتب على الخسران الحاصل أولا فلا منافاة بين أول كلامه وآخره . قوله : ( فإن إبطال العقل ) فإن جعل العقل الصرف مختلا وإخراجا عن مقتضاه إذا خلى وطبعه وهذا معنى الإبطال . قوله : ( باتباع الحواس ) الظاهر أنه من الأفعال أي بجعله تابعا للحواس الظاهرة أو الباطنة . قوله : ( أو الوهم ) من الحواس الباطنة صرح به لأنه سلطان القوى وللإشعار بأن من غلب وهمه على عقله فقد خسر خسرانا مبينا كما أن من غلب عقله على وهمه فقد فاز فوزا عظيما . قوله : ( والانهماك في التقليد ) أي فيما يجب الاستدلال والتحقيق . قوله : ( وإغفال النظر ) عطف على التقليد أو على الانهماك والمعنى جعل النظر غافلا للمبالغة والعدول عن قوله والغفلة عن النظر لذلك ( أدى بهم إلى الإصرار على الكفر ) وهذا منشأ دفع الإشكال لأن أصل الكفر ونفسه وإن كان سببا للخسران نفسه لكن دوامه بسبب الإصرار ومن هذا ينكشف عدم الإيمان إذا جعل سببا للخسران واعتبار كون الفاء داخلا على السبب لا يبعد إذ الفاء السببية يجوز دخوله على السبب أيضا . قوله : ( والامتناع عن الإيمان ) عطف على الكفر أو الإصرار وإنما عطفه تنصيصا على أن كفرهم باختيارهم بعد وضوح الحق إن أريد بالموصول ناس معهودون فالأمر واضح وإن أريد به الجنس فيخص منهم من آمن بعد كفرهم وكلام المص إلى الأول أميل حيث قال إلى الإصرار على الكفر . قوله : والفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم لما ورد عليه أن الأمر على العكس لأن الخسران هو عدم الربح في التجارة حقيقة وعدم ثواب العمل في الآخرة مجازا والمراد هنا المعنى الثاني وهذا المعنى مسبب عن انتفاء الإيمان منهم مسببا عن الخسران أجاب بأن المراد بالخسران تضييع رأس مالهم وهو الفطرة التي فطرهم اللّه عليها والعقل السليم فلما ابطلوها باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد لآبائهم أدى بهم ذلك الابطال إلى انتفاء الإيمان منهم واصرارهم على الكفر فهذا الاعتبار صار انتفاء الإيمان مسبب عن الخسران .