اسماعيل بن محمد القونوي

138

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الثقلين كما أشرنا إليه ( إذا علم أن أعماله تكتب عليه ) أوله كان أزجر عن المعاصي وأحث على المعالي ثم الظاهر أن الأعمال تعم فعل القلب واللسان كما تعم عمل الأركان وأنها شاملة للتروك أيضا إذ ترك الطاعات من الكبائر ( و ) مما ( تعرض على رؤوس الأشهاد ) . قوله : ( كان أزجر عن المعاصي وأن العبد إذا وثق بلطف سيده ) عطف على أن المكلف ومن جملة الحكمة . قوله : ( واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم منه ) أي لم يستحي منه من السيد . قوله : ( احتشامه ) أي كاستحيائه . قوله : ( من خدمه ) أي من خدم سيده أو من خدم نفسه . قوله : ( المتطلعين ) أي المطلعين ( عليه ) أي على العبد وأحواله فالعبد المكلف استحيا من الملائكة الواقفين على معاصيهم واعتمد على ستر مولاه وعفوه فإرسال الملائكة الحفظة عليهم كان أزجر عن المعاصي وبهذا تبين أن قوله وإن العبد الخ كالدليل لما قبله ( حتى إذا جاء ) حتى ابتدائية ومع هذا يجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها فإن إرسال الحفظة ينتهي بوقت مجيء أسباب الموت وعند الموت إذ بقاؤه مدة حياة المكلفين قوله : لم يحتشم منه احتشامه في خدمة المتطلعين عليه أي لم يستحي العبد من سيده استحياءه في ملاء متطلعين عليه وفي الحشمة قولان أحدهما أنها هي الاستحياء والآخر الغضب والمراد منها ههنا معنى الاستحياء هذا الذي ذكر في تفسير الآية ما عليه أهل الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلف أقوالهم في هذا الباب على وجوه الأول قال المتأخرون منهم وهو القاهر فوق عباده ومن جملة ذلك القهر أن خلق الطبائع المتضادة وفرج بين العناصر المتنافرة فلما حصل بينهما امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية فقالوا المراد من قوله : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [ الأنعام : 61 ] تلك النفوس والقوى فإنها هي التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجها والقول الثاني وهو قول بعض القدماء ان هذه النفوس البشرية والأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بما هيأتها فبعضها خيرة وبعضها شريرة وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ولكل طائفة من الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا وأخرى على سبيل الالهامات فالأرواح الشريرة لها مبادئ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الخيرة وتلك المبادئ بالطباع التامة وتلك الأرواح الفلكية في تلك الطابع والأحداث التامة كاملة وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من عته والأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير والقول الثالث أن النفس المتعلقة بهذا الجسد لا شك أن في النفوس المفارقة من الأجساد ما كانت سماوية بوجه ما في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة وهي أيضا تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأنهم كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلا .