اسماعيل بن محمد القونوي

116

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

معنى لقوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ [ الأنعام : 52 ] فتكون من الظالمين التسبب كون الطرد بسبب الظلم ثم رده بقوله وفيه نظر وجه النظر كون الطرد سببا له لا يكفي في كونه جوابا للنفي بل يقتضي كون حسابهم عليه سببا للظلم وليس كذلك كما أن الطرد سبب للظلم والإتيان سبب للتحديث إلا أن يقال إنه إذا عطف شيء على جواب النفي فهو على وجهين أحدهما أن يتصور كون كل منهما جوابا للنفي والثاني توقف المعطوف على المعطوف عليه في كونه جوابا فالمعنى ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ [ الأنعام : 52 ] الخ فتطردهم وما تطردهم فتكون من الظالمين فيكون وجود سبب تسبب الجواب متحققا فلا تغفل كما قال النحرير في المطول في قوله إن رجع الأمير استأذنت وخرجت وهذا في المعنى على كلامين أي إذا رجع استأذنت خرجت كذا في دلائل الإعجاز انتهى فكما لا يصح أن يكون خرجت جزاء لقوله إن رجع الأمير إلا بالتأويل المذكور فكذا ما نحن فيه وأما الجواب بأن المراد به المبالغة في معنى الطرد يعني لو قدر تفويض الحساب إليك ليصح منك طردهم لم يصح الطرد أيضا فكيف والحساب ليس إليك فهو كقوله عليه السّلام نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه فضعيف لأن هذا المعنى من معاني لو كما صرح به العلماء العربية وهنا لم يوجد شيء يفيد ذلك . قوله : ( وفيه نظر ) إذ الطرد المتسبب عن كون حسابهم عليه لا يصير سببا لكونه من الظالمين لأنه لدفع الضرر عن نفسه اللهم إلا أن يقال إنه من قبيل قول عمر رضي اللّه عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه لكنه بعيد . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) قوله : ( ومثل ذلك الفتن ) حمل المص الكاف على التشبيه حقيقة إذ المراد بالفتن المشار إليه بذلك ابتلاء الكفار بالغنى والمؤمنين بالفقر وهذا هو المراد بقوله ( وهو اختلاف أحوال الناس ) وصيغة العبد للتفخيم في بابه وهذا هو المشبه به والفتن المشبه به الابتلاء ( في أمور الدين ) وهو المراد بقوله ( فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش ) مالا وهم الأقرباء في الحقيقة لتمسكهم بالدين القوي وفي الأشراف عكس ذلك ( قوله بالسبق إلى الإيمان ) وهذا لا يقتضي إيمان أشراف قريش برمتهم قوله ابتلينا الخ إشارة إلى أن الفتنة ههنا بمعنى الابتلاء أي معاملة الامتحان وأصله تصفية الذهب ونحوه ثم استعمل في الابتلاء أي الاختبار كما مر تفصيله في قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ [ الأنعام : 23 ] وهذا الابتلاء صار سببا لحسد الكفار وسؤالهم عنه عليه السّلام طرد المؤمنين المساكين عن قوله : ومثل ذلك الفتن ذلك إشارة إلى ما تقدم وهو أن الكفار استرذلوا المؤمنين الخلص بسبب فقرهم واستهانوا بهم حتى أرادوا طردهم فالمعنى ومثل ما فتنا الكفار بسبب عنادهم وفقراء المؤمنين .