اسماعيل بن محمد القونوي
117
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المجلس الذي يحضر فيه أشراف قريش وتشريفهم بإنزال الآية الناطقة بالنهي عن طردهم فهذا بلاء عظيم ولذلك عبر عنه بصيغة التفخيم والزمخشري جعله من قبيل قولك ضربته كذلك أي هذا الضرب المخصوص فجعل ذلك إشارة إلى الفتن المذكورة بعده ولم يجعله إشارة إلى الفتن المذكورة قبله والمص قد اختار ذلك في بعض المواضع فح يكون الكاف في كذلك للغيبة أي الكاف بمعنى المثل فيكون كناية عن نفسه كقوله مثلك لا يبخل أي أنت لا تبخل والكناية أبلغ ومن هذا اختاره صاحب الكشاف فلا يلزم منه تشبيه الشيء بنفسه ومن قال إن الكاف مقحمة وصلة لعله أراد به أنه يعطى معنى وذلك فتنا بعضهم ببعض غير أنه أكد لما ذكرناه من أنه كناية عن نفسه وهي أبلغ من التصريح وإلى ما ذكرناه أشار المص في قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] الآية وأمثاله كثيرة ولم يذهب إليه المص مع أن فيه مبالغة لكونه كناية لأن قوله تعالى : لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ [ الأنعام : 53 ] الآية يصلح أن يكون مشبها بالفتن المذكورة قبله المفهومة من قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ [ الأنعام : 52 ] الآية فمهما أمكن التشبيه الحقيقي لا يصار إلى غيره كان صاحب الكشاف نظر إلى أن الفتن ليست بمذكورة فيما قبله صريحا لكن لا يجب ذلك بل الواجب المفهومية ولو التزاما فنظر العلامة أدق ونظر المص بالقبول أحق . قوله : ( أي أهؤلاء من أنعم اللّه عليهم ) أشار إلى أن من بمعنى أنعم قوله ( بالهداية والتوفيق لما يسعدهم ) بيان ما هو المراد بالنعم التي دل عليها أنعم اللّه دلالة تضمنية والهداية بمعنى خلق الاهتداء والإيصال إلى المطلوب ولذا عطف عليها التوفيق فإن هذه هي النعمة المخصوصة من بينهم وأتى بمن الموصولة إشارة إلى أن إنكارهم إنما هو لوصفهم بذلك وجعله سمة لهم لعدم اعترافهم بذلك واعتقادهم أنهم ليسوا متنعمين فإن ما هو حاصل لهم لو كان نعمة لكانت لنا دونهم ولفظة من إذا لم يذكر لا يخل بالمعنى ولذا لم يذكر في النظم الجليل لكنها ذكرها المص توضيحا لحاصل المعنى ولم يرد أنه مقدر في الكلام لأن حذف الموصول وإبقاء صلته غير متعارف وإن جوزه بعض النحاة كما نقل عن الدر المصون . قوله : ( دوننا ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء ) الحصر مستفاد من قولهم من بيننا لا من شيء آخر قوله ( وهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير ) يؤيد ما ذكرناه من أن المعنى على إنكار أن يكونوا مختصين بالتوفيق للحق دونهم مع أن العكس أولى بذلك أشاروا بقولهم ونحن الأكابر الخ . القصر نظرهم في الأمور المحقرة وهي الزخارف الدنيوية ولم يتفطنوا أن التوفيق نعمة روحانية تقتضي كمالات روحانية وإلى هذا أشار تعالى بقوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [ الأنعام : 53 ] ( كقولهم لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) . قوله : ( واللام للعاقبة أو للتعليل على أن فتنا متضمن معنى خذلنا ) فيكون استعارة قوله : أو للتعليل على أن فتنا متضمن معنى خذلنا علل كون اللام للتعليل بصرف معنى الفتنة