اسماعيل بن محمد القونوي
386
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لا نهي إذ لا معنى له « 1 » يراد به الامتناع العقلي ولو أريد بمثل قوله تعالى : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [ آل عمران : 161 ] الامتناع العقلي مبالغة لقيام البرهان الساطع عليه ولم يحمل على النهي لم يبعد وفي تقرير المص إشارة إلى ما فصلناه فلا تغفل . قوله : ( والمراد به إما براءة الرسول عليه السّلام مما اتهم به إذ روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين لعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذها ) فيكون ما كان للنبي خبرا بمعنى ما صح وامتنع امتناعا لغيره بمقتضى الدليل فإن النبوة تنافي في الخيانة وحديث القطيفة أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وحسنه . قوله : ( أو ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم الغنائم ) أو ظن عطف على قوله اتهم به أي أو براءة الرسول عليه السّلام عما ظن به الرماة قوله نخشى حكاية الحال الماضية أو للاستمرار من أخذ شيئا فهو له وفي الكشاف وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر فقال عليه السّلام لهم « ألم عهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري » فقالوا تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال عليه السّلام « بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم فنزلت قيل وتركه المص لما فيه من مخالفة ما سيأتي في الأنفال من قسم غنائم بدر انتهى ولا يخفى أن قولهم ذلك لا يقتضي وقوعه في نفس الأمر ولعل هذا القول لمن لم يعرف التقسيم يوم بدر أو لمن لم يحضر تلك الوقعة أو بناء على الذهول فلا منافاة حينئذ وترك المص روما للاختصار كما هو عادته أو هذا رواية أخرى فلا منافاة . قوله : ( وأما المبالغة في النهي للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على ما روي أنه بعث طلائع فغنم رسول قوله : وأما المبالغة في النهي للرسول وجه المبالغة فيه أنه صور بصورة الخبر وإن كان أصل المعنى على النهي الوجه الأول مبني على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما صدر منه غلول ولا صح أن يصدر هو منه والثاني على أنه عليه الصلاة والسّلام لما حرم بعض الغزاة وهم الطلائع من الغنائم سمي حرمانهم غلولا على سبيل المجاز تغليظا فكان عليه الصلاة والسّلام كأنه غل فنهى عليه الصلاة والسّلام عن هذا التحريم الذي عبر عنه بالغلول فالمعنى على الثاني ما كان لنبي أن يعطي قوما ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بالسوية فيكون المراد نهيا له عليه الصلاة والسّلام ومنعا عن المنع والوجه الأول هو الوجه لما في الثاني من ارتكاب التكليف بجعل فعل النبي غلولا وإن كان على التجوز ومن جعل ذلك من باب التغليظ وجعل الخبر إنشاء معنى قال الزمخشري وسمي حرمان بعض الغزاة غلولا تغليظا وتقبيحا لصورة الأمر قال صاحب الانتصاف هذا مخالف لعادة لطف اللّه برسوله في التأديب ومزجه باللطف كقوله عز وجل : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] بدأه بالعفو فما كان للزمخشري أن يعبر بهذه العبارة وقال الطيبي قد جاء أغلظ من ذلك بناء على التهيج والإلهاب نحو قوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] أو التعريض نحو قوله : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ
--> ( 1 ) إذ النهي فيه وفي قوله تعالى : ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها الآية غير صحيح فلا جرم أنه نفى الصحة بمعنى يمتنع امتناعا عقليا .