اسماعيل بن محمد القونوي

385

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مضاف وقوله إذا جاوزتموه وارد على المكان بتقدير المضاف أي إذا جاوزتموا نصرته فالمراد بالمكان المكان المجازي المتخيل . قوله : ( وهذا تنبيه على المقتضى للتوكل ) وهو النصر فإنه سبب ذهني له وفي الخارج عكسه وتحريض على ما يستحق به النصر من اللّه وتحذير عما يستجلب خذلانه . قوله : ( فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه وآمنوا به ) أي تقديم الجار يفيد الحصر كما مر وبهذا التقديم جاز الجمع بين حرفي الواو والفاء « 1 » ثم الفاء للشرط أي إذا كنتم غالبين حين نصرته تعالى ومغلوبين حين خذلانه فخصصوا التوكل عليه حتى تكونوا غالبين فإن التوكل سبب النصرة والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لإظهار علة الحكم قول المص [ الأعراف : 1 ] وَآمِنُوا بِهِ [ الأحقاف : 31 ] أي لما آمنوا به إشارة إليه فإن مقتضى الإيمان التوكل عليه تعالى والأمر للوجوب أن أريد أصل التوكل وإلا فللندب والأولى أن يراد به معنى شامل للوجوب والندب . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 161 ] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 ) قوله : ( وما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي الخيانة يقال غل شيئا من المغنم يغل غلولا وأغل إغلالا إذا أخذه في خفية ) لما كانت هذه الصيغة مستعملا في معنى ما ينبغي وفي معنى ما صح نبه المص على أن المراد بها هنا نفي الصحة بمعنى يمتنع امتناعا لغيره لما في الانصاف من أن هذه الصيغة ترد للامتناع العقلي كثيرا نحو ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [ مريم : 35 ] الآية وأما إذا كان مبالغة في النهي فهو خبر أجري مجرى الطلب وكذا نقل عن الانتصاف أنه قال إن هذه الصيغة وردت نهيا في مواضع من التنزيل نحو قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [ الأنفال : 67 ] الآية وقوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 113 ] الآية انتهى والحاصل أنه لما كان الخبر آكد في الطلب كما صرح به أئمة الأصول اختير النفي في بعض المواضع بمعنى النهي لقيام القرينة عليه كما ذكر الخبر الإيجابي وأريد به الأمر كقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [ البقرة : 233 ] الآية أي ليرضعن وصيغة ما كان نفي قد يراد به النهي بقيام القرينة قوله تعالى : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [ آل عمران : 161 ] الآية من هذا القبيل وأما مثل قوله تعالى : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [ مريم : 35 ] الآية خبر قوله : أو ظن به الرماة عطف على اتهم في عمالتهم أي أو براءة الرسول عما ظن به الرماة فيكون المراد من الغلول ترك قسمة الغنائم .

--> ( 1 ) وتفصيله في سورة يوسف في قوله تعالى : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ .