اسماعيل بن محمد القونوي

384

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فتوكل « 1 » على إشارة إلى أن على اللّه حينئذ من قبيل الالتفات من المتكلم إلى الغائب تربية للمهابة وللإشارة إلى وجه انحصار التوكل عليه تعالى قوله ولا تشاور فيه أحدا فإن الوحي لا يجامع معه رأي أحد ففي تفريع قوله فإذا عزمت على التكلم على الأمر بالمشاورة نوع خفاء ولهذا قدم القراءة بالخطاب واختارها . قوله : ( فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح ) أشار إلى أن المراد بالمحبة غايته وهي الرضاء وما يترتب عليه الرضى والنصرة والهداية إلى الصلاح والجملة تعليل للتوكل عليه تعالى وختم الكلام بما يناسبه أحسن التناسب . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 160 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) قوله : ( إن ينصركم اللّه كما ينصركم يوم بدر ) كلمة إن بالنظر إلى نفس الأمر فإنه محتمل الوقوع واللاوقوع فيه لون الخطاب تشريفا للمؤمنين الداخل فيهم الرسول عليه السّلام دخولا أوليا وأيضا النصر غير مختص به عليه السّلام كاختصاص اللينة والرفق به عليه السّلام وكذا المشاورة والعزم على أمر الحرب ونحوه وعن هذا خص الخطاب هناك به عليه السّلام وهنا جعل الخطاب عاما . قوله : ( فلا أحد يغلبكم ) ظاهره نفي مغلوبيتهم لكن المراد إثبات الغالبية لهم وهذا المعنى لهذا المبنى شائع في العرف والمقام يقتضيه ولهذا اختير في النظم لا غالب الدال على نفي الجنس المفيد لانتفاء ذات الغالب فضلا عن غلبته وإليه أشار بقوله فلا أحد يغلبكم حيث ادخل النفي على ذات أحد ثم وصفه بقوله يغلبنكم تنبيها على أن المنفي ليس أحد مطلقا بل أحد موصوف بالغلبة فالنفي متوجه إلى الصفة فقط فتأمل . قوله : ( كما خذلكم يوم أحد ) الخذلان عدم النصرة والمعنى وإن لم ينصركم كما لم ينصركم يوم أحد لمخالفة الرسول عليه السّلام . قوله : ( فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ ) [ آل عمران : 160 ] استفهام إنكاري وقوعي قوله : فَلا ناصِرَ لَهُمْ نفي لجنس الناصر وحكمه لا نفي الذات في الحقيقة . قوله : ( من بعد خذلانه أو من بعد اللّه بمعنى إذا جاوزتموه فلا ناصر لكم ) أي بعد ظرف زمان ويستعمل للمكان على الاستعارة فقوله بعد خذلانه وارد على الزمان بحذف قوله : من بعده خذلانه فعلى هذا يكون المضاف قبل الهاء في عنده محذوفا وأما على الوجه الثاني فلا تقدير ولا حذف .

--> ( 1 ) فإن عنوان الألوهية المنسبة عن جميع صفات الكمال مستدع للتوكل عليه تعالى .