اسماعيل بن محمد القونوي
369
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو إذا خلا بعضهم إلى بعض ) أي يقولون فيما بينهم بطريق الخفية فالمراد القول الملفوظ فيكون حقيقة وينكشف منه معنى آخر ليخفون لم يذكره هنا لكن المتبادر من الإخفاء لا سيما في تقييده بأنفسهم الاستبطان وأما الإخفاء عن المؤمنين المخلصين مع الإعلان فيما بينهم فليس بمتعارف . قوله : ( وهو بدل من يخفون أو استئناف على وجه البيان له ) أي استئناف معاني جواب عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل أي شيء يخفون فأجيب بأنهم يحدثون أنفسهم أو يقول بعضهم لبعض خفية . قوله : ( كما وعد محمد عليه السّلام أو زعم أن الأمر كله للّه ولأوليائه ) إشارة إلى تفسير الأمر السابق بالنصر والظفر قدمه لكونه أمس بالمقام . قوله : ( أو لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح كما كان رأي ابن أبي وغيره ) إشارة إلى القول الأول فعلى المنقول من ابن أبي حيث قال في تفسير هل لنا أنا منعنا تدبير أنفسنا لخ « 1 » . قوله : ( لما غلبنا ) إنما أوله به لأن القائلين غير مقتولين بل مغلوبون بقتل من قتل منهم فقتلنا مجاز عن غلبنا لاستلزامه . قوله : أو استئناف على وجه البيان له وفي الكشاف والأجود أن يكون استئنافا وإنما كان الاستئناف أجود لأنه املأ فائدة ولأنه لو كان بدلا من يخفون ويخفون حالا من يقولون لكان يقولون الثاني حالا من يقولون الأول وذلك غير جائز لأن من شرط الحال أن يقارن مع عامل ذي الحال ولا مقارنة هنا لاستحالة صدور القول الأول منهم حال صدور القول الثاني لأن المتكلم لا يصدر عنه قولان في حالة واحدة ولو جعلت أحد القولين قولا نفسيا قيل يجوز لكنه خلاف الظاهر ولهذا الاحتمال قال أجود وإلا لكان المقام يقتضي أن يقال الصواب أقول القول النفسي لا يجامع القول اللفظي إذا كان القولان متغايران فإن العقل إذا حضر عند أحدهما يكون الآخر مفعولا عنه ولا يكون القولان ملتفتا إليهما في زمان واحد نعم يمكن مقارنة القولين النفسي واللفظي بأن كان القلب مشغولا بحديث نفسي ويتلفظ باللسان بحديث آخر صدر منه من غير أن يلتفت إليه النفس كما نجد ذلك من عند أنفسنا عند تلاوتنا القرآن لكن ما نحن فيه ليس من ذلك القبيل لصدور هذين القولين عن هؤلاء القائلين عن قصد وأن كلا منهما ملتفت إليهما فلا يكونان مقارنين في الزمان فكان الأولى على صاحب الكشاف أن يقول والصواب بدل قوله والأجود إذ يوهم لفظ الأجود أن في البدلية جودة وليس كذلك بل جعله بدلا يؤدي إلى المحال وهو صدور القول الأول عن القائلين في زمان صدور القول الثاني عنهم واستحالته ظاهرة فإنك إذا قلت يقول زيد لا إله إلا اللّه يقول الحمد للّه لا يجوز أن يقع القول الثاني حالا من فاعل يقول الأول وهو زيد لأن المعنى حينئذ يكون هكذا يقول زيد لا إله إلا اللّه في زمان قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] وهذا لا يستقيم لأن زمان أحد القولين لا يسع القول الآخر .
--> ( 1 ) ولم يشر هنا إلى الاحتمال الثالث هناك مقتضى أن يقال ألو زال هذا القهر الخ كأنه نظر إلى أنه لا يناسب قوله لما قتلنا فتأمل .