اسماعيل بن محمد القونوي

30

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

النصارى « 1 » وما مر قول بعض آخر والتفصيل في سورة المائدة وكون هذه الآية جوابا عن تشبث النصارى بنحو قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها [ النساء : 171 ] الآية باعتبار بيان أنها من المتشابهات ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 7 ] فقط أو الراسخون فإنهم عالمون تأويله بالرد إلى المحكم تأويلا مطابقا فالنصارى في معزل عن ذلك . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 8 ] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) قوله : ( من مقال الراسخين ) فحينئذ يكون قوله : وَما يَذَّكَّرُ [ البقرة : 269 ] الآية جملة معترضة على تقدير أن لا يكون من مقالات الراسخين . قوله : ( وقيل استئناف ) أي ابتداء كلام ليس من مقالهم فالاستئناف نحوي وكونه جوابا لسؤال بعيد وحاصله وقولوا : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا [ آل عمران : 8 ] الآية ولهذا قيل إنه تعليم للعباد أي قولوا إذا مر بكم متشابه رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا [ آل عمران : 8 ] وفي تعليم العباد وإن لم يضمر القول فيه بل مقول على « 2 » ألسنة العباد ليعلموا كيف يدعون ربهم إذا نزل عليهم متشابه لكن في المآل بإضمار القول . قوله : ( والمعنى لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن نهج الحق ) لما عرفت أن الزيغ ميل عن الحق وعدول عنه ( إلى اتباع المتشابه ) هذا القيد من مقتضى المقام وإلا فهو دعاء عام له ولغيره ويدل عليه قوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم « قلب ابن آدم » الحديث ولعل مراده بالنقل إشارة إلى العموم والمعنى ربنا لا تزغ قلوبنا عن الصراط المستقيم إلى اتباع الهوى والركون إلى العقائد الباطلة لا سيما إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه قال عليه الصلاة والسّلام قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق وإن شاء أزاغه عنه . قوله : ( بين إصبعين « 3 » من أصابع الرحمن ) وهذا من المتشابه الذي دل الدليل القاطع على أن ظاهره ليس بمراد ولم يدل على ما هو المراد وقد عرفته مفصلا وصيغة التثنية للمبالغة في الإحاطة التامة وعدم الخلاص عنه بوجه كقوله تعالى : وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ [ البروج : 20 ] لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط بالإصبعين من أصابع قوله : وقيل استئناف فح لا يكون داخلا في حيز يقولون المذكور بل يكون جوابا لما عسى يسأل ويقال ماذا قال الراسخون فقيل قالوا : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا [ آل عمران : 8 ] فهو حينئذ مقول القول المقدر لا المذكور فمعنى قوله من مقال الراسخين من مقالهم المدلول عليه بتقولون .

--> ( 1 ) واليعقوبية من النصارى قالوا إن اللّه هو المسيح ابن مريم بطريق الحلول والاتحاد والنسطورية والملكانية قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة وهم القائلون بالأقانيم الثلاثة . ( 2 ) وقد صرح الشيخان بأن قوله تعالى : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الآية مقول على ألسنة العباد . ( 3 ) أي داعيتين وإراتين يحدثهما اللّه تعالى داعية إلى الإيمان وداعية إلى الكفر والطغيان من أصابع الرحمن من دواعيه التي خلقها الرحمن هذا على تقدير عطف الراسخين على إلا اللّه وهو مذهب الخلف والأحسن عدم التأويل واعتقاد حقية ما هو المراد منها وهو مسلك السلف كما عرفته مفصلا فلا تغفل .