اسماعيل بن محمد القونوي
31
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الرحمن اختار الرحمن للإشارة إلى أن الغالب إرادة إقامته على الحق بمقتضى رحمته وجماله وإن مشية إزاغته عن الحق بمقتضى استحقاق ابن آدم حيث صرفوا إرادته إلى الهوى وترك رضى المولى وتقديم إن شاء أقامه على الحق إشارة إلى ما ذكر وفيه إشارة أيضا إلى أن كون قلب ابن آدم على الحق أصل فطرته التي جبل عليها وأما العدول عنه فبكسب العبد وسوء صنعه والتعبير بابن آدم فيه إشارة إلى علية خفية يعرفها من له سليقة سليمة وأيضا فيه تغليب الذكور على الإناث والحديث أخرجه الترمذي والشيخان ورواية هذا الحديث هنا في غاية من اللطافة والإشارة حيث ذكر ما هو من المتشابه في بيان حال المتشابهات وللّه دره ما أحلاه . قوله : ( وقيل لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا ) قائله الزمخشري بناء على مذهب المعتزلة ولذا مرضه المص وضعفه وعبارته لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا ولا تمنعنا ألطافك بعد أن لطفت بنا ومذهبهم أن الإزاغة عن الحق كالإضلال لا يضاف إليه تعالى إلا بضرب من التأويل وقد مر توضيح المذهبين في تفسير قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] ( بعد إذ هديتنا ) قيل لا يخفى إن إذ هنا ليست للظرفية بل لمجرد الزمان فكان المعنى بعد زمان هدايتنا والأحسن منه ما قيل إنه بمعنى إن . قوله : ( إلى الحق ) أي عموما فيدخل الهداية إلى الإيمان بالقسمين فلذا قدمه ثم جوز التخصيص بمعونة المقام فقال ( والإيمان بالقسمين ) أي المحكم والمتشابه وفيه إشارة إلى ما ذكرنا من أن الإيمان بالمحكم لم يذكر لظهوره وأنه مراد للزومه وأن المتشابه إنما يعتد الإيمان به إذا انضم إليه إيمان المحكم ثم القسمان شاملان للأقسام الأربعة الظاهر والواضح والمفسر والمحكم ومقابلها الخفي والمجمل والمشكل والمتشابه إذ الإيمان بالكل لازم وهذا هو الملائم لما ذكره في لا تُزِغْ قُلُوبَنا [ آل عمران : 8 ] لكن أشار هنا إلى التعميم كما نبهنا عليه هناك بل رجح التعميم هنا حيث ذكر الحق العام « 1 » أولا وأما الارتباط بما قبله في ذكر الحق فلأنه يدخل الإيمان بالقسمين فيه دخولا أوليا . قوله : وقيل ألا تبلنا ببلايا يزيغ فيها وفي الكشاف لا تزغ لا تبلنا ببلايا يزيغ فيها قلوبنا ولا تمنعنا ألطافك بعد أن لطفت بنا ظاهر معناه لا تضلنا أن زيغ القلوب في مقابلة الهداية ومقابلة الهداية الإضلال فيلزم أن يكون الإضلال من اللّه كما أن الهداية منه تعالى ولكن هذا ليس موافقا لمذهب صاحب الكشاف فأخرجه عن ظاهره بحمله على حد الأمرين إما التسبب أو منع اللطف أقول لتوجيه بمنع اللطف ليس موافقا لمذهبه أيضا لأن اللطف بالعد أصلح للعبد ومن مذهبهم أن رعاية الأصلح للعبد واجبة عليه تعالى فح لا يجوز منع اللطف عليه تعالى وإذا لم يجوز لا معنى لطلب تركه منه تعالى تعين ما ذكروا من التأويل في لا تضلنا . قوله : أو الإيمان بالقسمين أي بالمحكم والمتشابه وهذا سبب لنظم الأي .
--> ( 1 ) إلى الحق في تأويل المتشابه وغيره .