اسماعيل بن محمد القونوي
134
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تعالى بل بالنسبة إلى العادة فلا إشكال فيه يظهر وأما السؤال بأنه عليه السّلام بعد مشاهدة أحوال حنة وابنتها مريم ودعائه وطلب الغلام واستبشاره بحصول سؤله كيف يستبعد ولو بالنسبة إلى العادة فلا يندفع بهذا القيد والقول بأنه كان دعاؤه عليه السّلام قبل بشارته بأربعين سنة أو ستين سنة فلذلك نسي ما سأله حتى قال ما قال بعيد جدا إذ الفاء في قوله تعالى : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [ البقرة : 39 ] يدل على حصول البشارة عقيب الدعاء فترك استبعادا أولى قوله ( أو استعظاما ) أي عده عظيما يدل على عظم قدرة اللّه تعالى وهذا الوجه أحسن ما ذكر هنا من الوجوه ( أو تعجبا ) والتعجب إدراك أمر خفي السبب وهو معلوم السبب إذ سببه محض قدرة اللّه تعالى على خلاف العادة إلا أن يقال إن معنى التعجب في الأصل ما ذكر لكن قد يستعمل في معلوم السبب لعظمه وندرة وقوعه وغرابته فيشبه ذلك الأمر المعلوم السبب بالأمر الخفي السبب في وقوع الحيرة فيستعمل التعجب « 1 » في ذلك الأمر . قوله : ( أو استفهاما عن كيفية حدوثه ) أي كلمة أنى بمعنى كيف هنا وباق على حقيقته وهذا جيد لكن ملائمته للجواب غير ظاهرة إلا أن يقال إنه لما سأل عن كيفية حدوثه بأنه أبجعلي وامرأتي شابا أم ببقائي وامرأتي على حالنا من الشيخوخة والعقر فأجيب بأن اللّه تعالى يرزقه ولدا من غير أن يجعله وامرأته شابين فحينئذ الاكتفاء به أولى لأنه الحقيقة ولا يرد إشكال ما عليه . الأول وهو محال فعلمنا أنه لا بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه اللّه تعالى لا من نطفة أو نطفته خلقها اللّه تعالى لا من إنسان والوجه الثاني هو أن زكرياء طلب ذلك من اللّه تعالى فلو كان ذلك محالا لما طلبه من اللّه فثبت بهذين الوجهين أن قوله : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [ آل عمران : 40 ] ليس للاستبعاد بل ذكر العلماء فيه وجوها الأول أن قوله : أَنَّى [ آل عمران : 40 ] معناه من أين ويحتمل أن يكون معناه كيف وذلك لأن حدوث الولد لم يحتمل وجهين أحدهما أن يعيده اللّه تعالى شابا ثم يعطيه اللّه والثاني أن يعطيه الولد مع شيخوخته فقوله : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [ آل عمران : 40 ] معناه كيف يعطى الولد على القسم الأول أم على القسم الثاني فقيل له كذلك أي على هذه الحالة اللّه يفعل ما يشاء والثاني من كان آيسا من المشي مستبعدا لحصول وقوعه إذا اتفق إن جعل له ذلك المقصود فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح فيقول كيف حصل هذا ومن أين يقول وقع هذا كمن يرى إنسانا وهبه أموالا عظيمة تقول كيف وهبت هذه الأموال من أين سمحت نفسك بهبتها فكذلك ههنا لما كان زكريا عليه السّلام مستبعدا لذلك ثم اتفق أن أجاب به اللّه تعالى إليه صار من عظم فرحه وسروره قال ذلك الكلام الثالث أن الملائكة لما بشروه بيحيى لم يعلم أنه يرزق الولد من جهة التبني أو من صلبه فذكر هذا الكلام ليزول هذا الاحتمال الرابع أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء يطلبه من السيد ثم إن السيد يعده بأنه سيعطيه بعد ذلك فابتداء السائد بسماع ذلك الكلام فربما أعاد السؤال ليفيد السيد ذلك الجواب فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى فالسبب في إعادة زكريا هذا الكلام يحتمل أن يكون من هذا الباب الخامس نقل
--> ( 1 ) لأن باب المجاز مفتوح والإنكار مكابرة .