اسماعيل بن محمد القونوي
133
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( مبالغا في حبس النفس ) الحصور صيغة مبالغة من الحصر وأصله المنع ويطلق على كل من لا يدخل في الميسر وفسر البعض بأنه ممتنع من النساء مع القدرة « 1 » عليهن اختاره الشافعية حتى يستدلوا به على فضل العزوبة على التزوج ولم يرض بذلك التخصيص فقال مبالغا في حصر النفس ( عن الشهوات والملاهي ) سواء كانت مشروعة كتزوج النساء أولا قوله روي بيان امتناعه « 2 » وأن احترازه من لدن صباه فما ظنك في كبره ( روي أنه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال ما اللعب خلقت ) . قوله : ( ناشئا منهم ) فمن للابتداء أي متولد منهم مدح له بشرف النسب مع عز الحسب ( أو كانتا من عداد ) فمن للتبعيض قدم الأول لما ذكرناه من المدح بالنسب فيه دون الثاني ( من لم يأت صغيرة ولا كبيرة ) تفسير الصالحين وفيه تنبيه على أن الصلاح يشترط فيه الاجتناب عن الصغائر أيضا لكن المراد الصغيرة المنفرة كسرقة لقمة وتطفيف حبة لا مطلقا قال تعالى « 3 » : كَلَّا لَمَّا يَقْضِ [ عبس : 23 ] ما أمره إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما الأولى من لم يأت كبيرة ولا صغيرة لأن الترقي فيه وإعادة لا في ولا كبيرة للتنبيه على الاستقلال ولم يقل من عداد من لم يهم بمعصية للخبر المذكور . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 40 ] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قوله : ( استبعاد من حيث العادة ) كلمة أنى للاستبعاد لكن لا بالنسبة إلى قدرة اللّه قوله : مبالغة في حبس النفس عن الشهوات معنى المبالغة مستفاد من صيغة فعول واحتج به على أن ترك النكاح أفضل وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة وإذ أثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول أما النص فقوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ [ الزمر : 18 ] فبهداهم اقتده وأما المعقول فهو أن الأصل في الحكم بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل . قوله : تا نساء منهم أو كائنا من عداد من لم يأت الخ الأول على أن من للابتداء والثاني على أنها للتبعيض . قوله : استبعادا من حيث العادة الخ لما كانت كلمة أنى موهمة للانكار والاستبعاد بحسب الظاهر حمل معناه تارة على الاستبعاد العادي وتارة على الاستعظام والتعجب وتارة على الاستفهام عن كيفية الحدوث قال الإمام لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكا في قدرة اللّه تعالى على ذلك والدليل عليه وجهان الأول إن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة إنما كان على سبيل العادة لأنه لو كان لا نطفة إلا من خلق ولا خلق إلا من نطفة لزم التسلسل ولزم حدوث الحوادث في
--> ( 1 ) إذ عدم القدرة عليهن نقص يجب تنزيه الأنبياء عليهم السّلام عن ذلك . ( 2 ) ويجوز اختصاص بعض الوصف الكامل بالمفضول . ( 3 ) ومقتضى هذه الآية أن يحيى عليه السّلام صدر منه بعض ترك الأولى فليتأمل .