اسماعيل بن محمد القونوي
104
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
على عمل الخير والمنع عن عمل السوء ومراده أنه مكرر بحسب اللفظ والظاهر وإن كان المحذر منه مغايرا لما ذكر أولا كأنه قال وإنما جيء الوعيد بهذا مكررا دون غيره للتوكيد أي لتقرير التحذير من عقابه ويؤيد ما ذكرناه عطف التذكير عليه والتحذير مكرر والمحذر منه ليس بمكرر . قوله : ( إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة لصلاحهم ) نبه به على أن ختم الكلام بهذا القول مناسب لأول الكلام ويسمى مراعاة النظير ولما كانت المناسبة خفية أوضحه وما سبق ختم الكلام بقوله وإليه المصير للتشديد في التهديد ومناسبة ظاهرة باهرة وهنا ختم الكلام به لقصد إفادة ذلك والنكتة مبنية على الإرادة فيكون تتميما بما قبله . قوله : ( أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب فترجى رحمته ويخشى عذابه ) فيكون تكميلا وكونه تتميما أولى ولذا قدمه . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 31 ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) قوله : ( المحبة ميل النفس إلى الشيء ) وهذا معنى حقيقي له وبهذا المعنى يتعلق بالمعاني والمنافع ولذا قيل ( لكمال الإدراك فيه بحيث يحملها على ما يقربها إليه والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا اللّه ) . قوله : ( وإن كل ما يراه من نفسه أو من غيره كمالا ) أي كمالا ليس بحقيقي لأنه قوله : المحبة ميل النفس إلى الشيء الخ هذا أصل معنى المحبة بحسب الوضع لكن المحبة الرأفة في الشرط والجزاء في هذه الآية مراد بها على الاستعارة معناه المجازي اللازم الأصل المعنى الذي ذكره ولذا قال وذلك يقتضي إرادة طاعته والطاعة فيما يقربه ثم قال فلذلك فسرت المحبة بالإرادة أي فلذلك الاقتضاء فسرت بإرادة الطاعة ثم قال ما وقع في الجزاء عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة أي المشاكلة أي عبر عن ذلك الرضى بالمحبة على ذلك الطريق وفي الكشاف العباد اللّه مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها ومحبة اللّه عباده أن يرضى عنهم يرد بها أن قوله : تُحِبُّونَ اللَّهَ [ آل عمران : 31 ] استعارة تبعية شبهت إرادة نفوسهم اختصاص اللّه تعالى بالعبادة ورغبتهم فيها بميل قلب المحب إلى المحب ميلا يلتفت معه إلى الغير ثم إنه لا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر الحقيقة وههنا صرف المحبة إلى الحقيقة متعذر وذلك لما قال الإمام إن المتكلمين اتفقوا على أن المحبة نوع من أنواع الإرادة والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث والمنافع فيستحيل تعلقها بذات اللّه تعالى وصفاته فإذا قيل إن العبد يحب اللّه تعالى معناه يحب طاعته وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه وأما محبة اللّه تعالى للعبد فهو عبادة عن إرادة اتصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه وهذا يشير إلى المجاز بالحذف ثم الإمام ضعف قول المتكلمين في معنى المحبة وأثبت المحبة الذاتية بأن كل شيء لو كان محبوبا لأجل أمر آخر لتسلسل وهو صحيح لأنا نعلم أن الكمال محبوب لذاته كما أن اللذة كذلك .