اسماعيل بن محمد القونوي
105
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مختص باللّه تعالى ومع كونه ليس بحقيقي لأنه مشوب بعيب جلبي ( فهو من اللّه ) تعالى خلقا وإن كان لكسب العبد مدخل في بعضه أي صادر من اللّه إذ الخالقية منحصرة له تعالى ( وباللّه ) أي حصوله بعون اللّه وتوفيقه ( وإلى اللّه ) أي منته إليه لإيجاده وإن كان بالواسطة فمآل العبارات الثلاثة واحد قيل يعني حدوثه من اللّه تعالى وبقاؤه وانتهاؤه إليه بمعنى أنه في الحقيقة كمال له تعالى باعتبار ذاته أي الكمال دال على عظمته تعالى والقول بأن كمال الغير كمال له قائم به ليس في بابه غاية الأمر أنه دال على كمال قائم به تعالى . قوله : ( لم يكن حبه إلا اللّه ) أي حبه مختص به تعالى لاختصاص سبب الحب إليه تعالى ( وفي اللّه ) أي في رضاء اللّه وهما متقاربان فمآله راجع إلى الأول قال الغزالي « 1 » المحبة ميل النفس أي الروح إلى الشيء المستلذ فإذا قوي ذلك يسمى عشقا والبغض نفرة الطبع عن المؤلم فإذا زاد يسمى مقتا ولا يظن أن الحب مقصور على المحسوس وهو سبحانه وتعالى لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب لأنه عليه السّلام سمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات وليس للحواس حظ بل حسن البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكا من المعاني وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة بالأبصار فيكون لا محالة لذات القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي يجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ من ميل الطبع السليم والعقل الصحيح ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراك لذة فلا ينكر حب اللّه إلا من قيده القصور في مربط البهائم نعم هذا الحب يستلزم الطاعة انتهى وإلى هذا التفصيل أشار المص بأسره بلفظ « 2 » وجيز ومعنى جزيل فالمراد بقوله لم يكن حبه أي حبه حقيقة إلا للّه . قوله : ( وذلك يقتضي إرادة طاعته ) لأن الطاعة هي المقربة له وقد قال أولا بحيث يحملها على ما لم يقربها إليه فالأولى هنا أن يقال وذلك يقتضي الإطاعة ( والرغبة فيما يقرأ به ) مطلقا سواء كانت محبة العبد أو محبة اللّه تعالى . قوله : ( فلذلك فسرت المحبة ) أي هنا ( بإرادة الطاعة ) بقرينة قوله : فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] فإن لزوم الاتباع للمحبة إنما هي المحبة بمعنى الطاعة لا بمعنى ميل النفس فهي مجاز مرسل ذكر السبب وهو المحبة وأريد المسبب وهو الإرادة أو استعارة تبعية عند من ادعى استحالة تعلق المحبة بذاته تعالى وصفاته بناء على أن الحب مقصور على المحسوس شبه تخصيص العبادة به تعالى وفرط رغبتهم فيها بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلا لا يلتفت إلا إليه وجه الشبه عدم التوجه إلى ما سواه وهذا هو الذي اختاره صاحب الكشاف حتى قال إن القول بتعلق المحبة بذات اللّه تعالى مما لا يليق صدوره من
--> ( 1 ) شروع في بيان أن المحبة تتعلق بذات الباري حقيقة مسما كما يستفاد من تقرير المص . ( 2 ) بل كلام المص أفيد وأبلغ من حيث إن الكمال الحقيقي أي الذي هو سبب المحبة ليس إلا للّه فتكون المحبة للّه تعالى وكلام الإمام الغزالي خال عن هذه المبالغة .