اسماعيل بن محمد القونوي

96

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أي بيان لعلة الحكم السابق سواء كانت جملة تذييلية أو حالية وهي الراجح المختار إذ الجملة الحالية ظاهرة في إفادة التعليل والمراد بالعلة العلة الناقصة لا التامة إذ القرينة على أن الخلق من الفاعل المختار إنما يكون بالعلم والقدرة والإرادة قائمة كنار على علم . قوله : ( كأنه قال ولكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع ) أشار باختيار عالما مع أن النظم عليم للإشارة إلى أن صيغة المبالغة وغير المبالغة سيان في شأنه تعالى وتعديته بالباء لتقوية العمل كما صرح به غير واحد في تعريف العلوم أو لتضمينه معنى الإحاطة فأتى بصلتها فإن انتقال الصلة للتضمين كذا قرره الفاضل الجاربردي في أوائل شرح الشافعية وإتيان الباء ليس بمختص بصيغة المبالغة حتى يقال إن أمثلة المبالغة لما خالفت أفعالها لأنها أشبهت افعل التفضيل لما فيها من الدلالة على الزيادة أعطيت حكمه في التعدية مع ما فيه من الخلل لأن ذلك وإن سلم في غيره تعالى لكنه لا يصح أو لا يحسن في شأنه تعالى لما عرفت ومثاله من غير صيغة المبالغة قوله تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى [ العق : 14 ] قوله على هذا الوجه الأكمل وبهذا استدل علماؤنا على شمول علمه تعالى لجميع الأشياء جزئياتها وكلياتها لأن اللّه تعالى علم علما أزليا بأن العالم سيوجد على هذا النمط البديع فأوجد على هذا الأسلوب الغريب وتعلق هذا العلم قديم غير متغير فبعد تقديره في علمه الأزلي يكون خلافه ممتنعا بالغير وإن كان ممكنا بالنظر إلى ذاته كما هو المقرر في موضعه فلا وجه لما قيل إن كلام المص يقتضي أن نظام العالم هو الأصلح الأكمل الذي لا يمكن شيء فوقه فإن هذا كلام ساقط الإمساس لهذا المقام ولا يناسب بوجه المرام « 1 » قوله الأنفع إشارة إلى أنه تعالى راعى الحكمة فيما خلق الكلام السابق على ثبوتها فما الدال هنا على ذلك حتى جيئت هذه الجملة لإزالة الاختلاج عنها قلنا الدال عليه قوله تعالى : ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة : 28 ] وأيضا في قوله : فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] دلالة على ذلك لما ذكر أن فيه تنبيها على ما يدل على صحتها وهو اللّه تعالى لما قدر أن إحياءهم أولا قدر أن يحييهم ثانيا فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من اعادته ويدل عليه أيضا لام التعليل في لَكُمْ في قوله عز وجل : خَلَقَ لَكُمْ [ البقرة : 29 ] لما ذكر أن معناه لأجل انتفاعكم في مصالح دنياكم ودينكم بالاستدلال والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها ومعلوم أن لذات الآخرة وآلامها المتعرفة بما في الدنيا يكون من جنس ما في الدنيا والآلام المتوقة ادراكها على الآلات الجسمانية فادراك لذات الآخرة وآلامها لا يمكن إلا بعد البعث والمعاد الجسماني .

--> ( 1 ) قيل كما قال الغزالي ليس في الإمكان ابدع مما كان وفي الفتوحات تفصيل قلت أنكر العلماء هذا وقالوا إن اللّه تعالى قادر على أن يوجد عالما آخر أكمل من هذا وأحسن وأعظم كما هو مذهبنا ثم قال إن العقيدة أن كلا من المقدورات ومعلوماته لا تتناهى كما صرح به حجة الإسلام في عقيدته وأما ما نقل عنه فقد قيل إنه دسيسة أو غفلة انتهى فالأولى أن ما نقل عنه مذهب الفلاسفة ولظهوره لم يصرح به وكلامه في موضع آخر شاهد عليه ومذهب الفلاسفة أنه ليس في مقدور الباري ما هو أبدع منها أو مراد الغزالي عدم الإمكان بالغير كما ينافي أصل الحاشية فلا معنى لحمل كلامه على الدسيسة أو الغفلة .