اسماعيل بن محمد القونوي
85
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة يدل على أن الكل للكل لا أن كل واحد لكل واحد ) جواب سؤال مقدر بأنه لو دل هذه الآية على الإباحة لما جاز اختصاص شيء بأحد كما ذهب إليه المباحية فأجاب بمنع الملازمة بسند أن ذلك الاختصاص « 1 » لأسباب عارضة معتبرة من الشارع كالنكاح والشراء والبيع والهبة والإجارة والإعارة فإنه يدل على أن الكل أي كل ما في الأرض للكل أي لكل بني آدم بناء على أن الخطاب للمجموع من حيث المجموع لا أن كل واحد مما خلق في الأرض لكل واحد من أفراد الإنسان حتى يلزم كون ملك أحد مباحا لغيره ومنكوح رجل حلالا لغيره كما ادعاه الإباحيون قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [ المنافقون : 4 ] . قوله : ( وما يعم كل ما في الأرض لا الأرض ) أي لفظة ما يعم كل ما في الأرض « 2 » قوله : ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض الأسباب عارضة أي لا يمنع قوله عز وجل : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 29 ] ولا يمنع الإباحة المستفادة اختصاص بعض ما في الأرض ببعض الأسباب عارضة كالبيع والشراء والهبة والإرث وغير ذلك لما أوهم ظاهر الآية إباحة كل واحد من الأشياء المخلوقة في الأرض لكل واحد من الناس والحال أن بعض الأشياء مختص بواحد بسبب من الأسباب ليس مباحا لآخر دفع ذلك بما حاصله أن هذا من قبيل مقابلة المجموع بالمجموع لمقابلة الآحاد بالآحاد أقول الدليل لا يطابق المدعي فإن المدعي أن ظاهر الآية يقتضي إباحة كل شيء في الأصل لكل أحد ولا ينافي الإباحة الأصلية عروض الخطر الشرعي لبعض بسبب شرعي وما ذكر من الدليل يفيد إباحة كل لكل بل يفيد صحة معنى الآية مع وجود مانع الإباحة في بعض قال صاحب الكشاف وقد استدل بقوله خَلَقَ لَكُمْ [ البقرة : 29 ] على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المخطورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها قال بعض الأفاضل ولقائل أن يقول إن كان الاستدلال على الإباحة بالنص فهو لا يفصل بين شيء وشيء والسموم القاتلة ليست بمباحة وإن كان بالعقل فقد لا يهتدي إلى معرفته لأن بعض الأشياء في بعض الأماكن سم وفي بعضها يداوى بها المسموم فآل الأمر إلى طباع البلاد وأمزجة أهلها وقال صاحب الانتصاف هذا مذهب فرقة من المعتزلة بنوه على التحسين والتقبيح وقال صاحب الانصاف قال بهذا جماعة من أهل السنة من الحنفية والشافعية واختاره الإمام في محصوله وجعله من القواعد الكلية فليس المذهب مختصا بهم كما زعم أقول مراد صاحب الانتصاف أن قوله ولم يجر مجرى المخطورات في النقل يدل على أن ما هو قبيح عقلا غير مباح قبل ورود الشرع على تحريمه وهو مذهب مختص بأهل الاعتزال لأنهم يقولون إن الحسن والقبح عقليان يدل على ذلك قوله بنوه على التحسين والتقبيح وقول صاحب الانتصاف قال بها جماعة من أهل السنة ليس في هذه المسألة بل ذاك في أن الأصل في الأشياء الإباحة . قوله : وما يعم كل ما في الأرض أي لفظ ما في الأرض يعم جميع ما في الأرض لا الأرض
--> ( 1 ) أشار إلى أن قوله لأسباب الخ علة للاختصاص لا لقوله ولا يمنع . ( 2 ) وما يحدث في قعر البحر ويتلاشى قبل الظهور وفي غير المعمورة لا إشكال بها لأنها افراد ما خلق في الأرض وقد عرفت أن الكل أي جميع الأنواع للكل أي لجميع آدم وعدم الانتفاع ببعض الإفراد لا يضر ذلك على أن بعض ما في قعر البحر غذاء للحيتان التي هي غذاء للإنسان .