اسماعيل بن محمد القونوي

86

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لأن ما يفيد العموم وفي الكلام تغليب على ذوي العقول لكثرة غير أولي العقول فيعم العبيد والإماء والنساء المنكوحات لا الأرض لاستلزام ظرفية الشيء لنفسه وهو محال في الظرفية الحقيقية وإن جوز في الظرفية المجازية وأنت خبير بأنه لو أريد بما في الأرض ما وجد فيها داخلا في حقيقتها أو خارجا عنها لعم الأرض أيضا بل هذا أبلغ من القول خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 29 ] فيها كذا أفاده المص في تفسير آية الكرسي والتعجب منه لم يتعرض هنا هذا الوجه الوجيه بل اختاره وجها يحتاج في تصحيحه إلى تمسك مذهب الحكماء أو إلى أن يجعل الجهتان فرضيين كما أشار إليه مولانا خسرو وإن إرادة الجزئية والظرفية بقوله ما في الأرض من قبيل عموم المجاز وسيجيء التفصيل في تفسير آية الكرسي . قوله : ( إلا إذا أريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو ) دون حقيقة الأرض الغبراء فحينئذ يعم الأرض أيضا لأنها وما فيها واقعة في الجهة السفلية كما يراد بالسماء جهة العلو ذكره مع أنه لا حاجة إليه بل لا يصح هنا لقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ البقرة : 29 ] وهذا صريح في إرادة الفلك للإشارة إلى أن حمل الأرض على جهة السفل يستتبع حمل السماء على جهة العلو وسيجيء جواب الإشكال المذكور والإشكال بأنه كيف تحدد الجهات علوا وسفلا ولم يكن سماء ولا أرض مدفوع بأنه يكفي في التحديد العرش المحيط وهذا بناء على أنه كري وهو خلاف المشهور عندنا خلافا للحكماء وإن ذهب بعض من علمائنا فالمشهور أنه خيمي كالسماوات فليس بمحيط بالعالم وقيل على أنه كما يجعل اليوم فرضيا يمكن أن يجعل الجهتان كذلك أي الأيام الستة في قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ الأعراف : 54 ] مع أنها لم يكن حينئذ يوم ولا ليل بناء على التقدير والفرض كذلك يمكن أن يجعل الجهتان كذلك لكن القياس ليس بجلي إذ المراد هناك الوقت الذي يماثل اليوم الذي بعد خلق السماوات والأرض ومثل هذا الاعتبار في الجهتين حين لم يكن سماء ولا أرض إمكانه ليس بمسلم « 1 » والحق إن هذا تكلف لا يليق بجزالة النظم الجليل وقدمنا من التوجيه الحاوي للبلاغة ما يغني من مثل هذا التعسف . وإلا يلزم كون الشيء ظرفا لنفسه وهو محال إلا إذا أريد بالأرض جهة السفل فح يعم الأرض أيضا ولا يلزم المحال إذ المعنى على هذا خَلَقَ لَكُمْ ما في جهة السفل والأرض أيضا مما هو في جهة السفل وهذا يناسب قول من قال معنى الآية خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 29 ] فهذا المعنى مبني على أن يكنى بالأرض عن الجهة السفلية دون حقيقة الأرض التي هي الغبراء لأن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية وأما إذا أجريت على الحقيقة فلا لأن الشيء يحصل في نفسه ويكون ظرفا لها ويؤيد الأول إفراد السماء والمراد بها الجهات العلوية على الوجه المختار .

--> ( 1 ) إلا أن يقال إن المراد بهما ما يسمى الآن بالسفل والعلو كأنه قيل خلق لكم ما في جهة السفل الآن ثم استوى إلى ما في جهة العلو الآن كذا قاله الفاضل منلا خسرو .