اسماعيل بن محمد القونوي
8
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
اشتهر بينهم سواء طابق الواقع أم لا فلا وجه للبحث في مثل هذا بأن هذا الإلهام مع أن إثبات الإلهام له من سوء الإفهام واطيش من فراشة أي أخف منه « 1 » وهذا كما أنه مثل في الطيش أي الخفة على ما ذكر في الصحاح هو أيضا مثل في الضعف على ما نقل عن المستصفى ولهذا قال في الكشاف وهو أضعف من فراشة وأعز من مخ البعوض من العزة بمعنى الندور « 2 » لا بمعنى ضد الذل والمخ هو الدماغ والدهن في داخل العظام والبعوض فعول من البعض وسيأتي تمام بيانه ومما جاء في عبارات البلغاء اجمع من الذرة وأجرأ من الذباب إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى وغرضه من هذا البيان إلزام المنكرين وهم مشركو العرب واليهود بأن القرآن نزل على وفق محاورات العرب فكما في عبارات البلغاء شاع تمثيل الحقير بالحقير كما شاع تمثيل العظيم بالعظيم وإن كان الممثل من أشرافهم وأعيانهم كذلك شاع في كلام اللّه تعالى وانكارهم القرآن لا يضر ذلك إذ انكار التمثيل ليس لانكارهم القرآن بل لأن اللّه تعالى أجل من أن يضرب الأمثال ويذكر الذباب والعنكبوت « 3 » كما نقله المص عنهم بقوله لا كما قالت الجهلة الخ كأنهم قالوا هب أن القرآن كلام اللّه تعالى لكن الأمثال المضروبة ليست بمناسبة لجلال اللّه تعالى فرد اللّه تعالى بهذا النظم الجليل انكارهم إياه ببيان حسنه وما هو الشرط فيه أثر ردهم ارتيابهم في القرآن بالتحدي وافحام كافة الفصحاء وإلى هذا أشير في الكشاف حيث قال والعجب منهم كيف ينكرون ذلك وما كان الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأخفاش الأرض والحشرات والهوام وهذا أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم انتهى ومراده ما ذكرناه من أن القرآن أنزل على اصطلاح العرب وبعد تسليم القرآن كما هو الظاهر من مقالهم إنكارهم ذلك من أعجب العجائب وأشنع المعائب والقول بأن هذا ليس في مقابلة انكارهم « 4 » بل هو دليل اقناعي ذكره ثانيا لاطمئنان قلوب المؤمنين بعد أن ذكر الدليل الإلزامي وقضى الوطر عن الزامهم ضعيف لا يعبأ به . قوله : ( لا ما قالت الجهلة من الكفار لما مثل اللّه تعالى حال المنافقين بحال قوله : لا ما قالت الجهلة عطف على قوله أن يكون على وفق الممثل به أي والشرط في التمثيل أن يكون على وفق الممثل بأن يكون حاله كحال الممثل به لا كما زعمت الجهلة ويجوز أن يكون بدلا من قوله دون الممثل .
--> ( 1 ) يضرب لمن له خفة . ( 2 ) يضرب للشيء النادر الوجود . ( 3 ) على ما فهم من سبب النزول . ( 4 ) حتى يرد أن المنكرين مشركو العرب واليهود على اختلاف الروايتين وكلا الفريقين كما ينكرون القرآن ينكرون الإنجيل فقوله ولقد ضربت الخ لا يجدي نفعا في مقابلة انكارهم واستبعادهم .