اسماعيل بن محمد القونوي
474
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أي بالمعاصي التي من جملتها نقض العهد والإعراض عن التوحيد فإنه أي ذلك المنع فالضمير للمنع المدلول عليه بقوله تمنعون الجلاء الحقيقي أي النفي والإخراج الحقيقي النفس الأمري لأنه لا نهاية له ولا انقطاع ( عن الجنة التي هي داركم ) وفيه إشارة إلى أن الكفار لهم منزل في الجنة لو آمنوا فإذا لم يؤمنوا ورث المؤمنون ذلك المنزل كما ورد في الحديث وإلى ذلك أشير في مثل قوله تعالى : تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا [ مريم : 63 ] ( فإنه الجلاء الحقيقي ) . قوله : ( بالميثاق ) مفعول أقررتم والقرينة على تعيين المحذوف ما قبله والإقرار لتضمنه معنى الاعتراف عدي بالباء ولذا عطف عليه ( واعترفتم ) وهذا مراد ما قيل إن الإقرار ضد الجحد ويتعدى بالباء قوله ( بلزومه ) إشارة إلى المراد الاعتراف بالميثاق فإن مجرد الإقرار بدون التزام كلا ميثاق يعني أخذ منكم الميثاق والتزمتموه واعترفتم بلزومه وتوثيقه بذلك وهذا الأخذ والاعتراف بواسطة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد نزول التورية ونقضتم إياه بعد ذلك كما أشير إليه بقوله ثم أنتم هؤلاء . قوله : ( توكيد كقولك أقر فلان شاهدا على نفسه ) أي تثبيت لقوله ثم أقررتم فإنه حال مؤكدة أو تذييل للجملة الأولى وهو تعقيب جملة بجملة تستعمل على معناها للتوكيد والغرض من التوكيد دفع احتمال أنه تكلم بما يلزم منه الإقرار لا نفس الإقرار فأزيل ذلك الاحتمال بقوله وأنتم تشهدون أي وأنتم تشهدون على أنفسكم شهادة من يشهد على غيره فيتحقق كون المراد الإقرار نفسه إذ الإقرار الحقيقي الشهادة على نفسه وللمبالغة في ذلك زيد أنتم الموهم للاختصاص المقوي للحكم واختيرت صيغة الاستقبال في الشهادة لأنه استقبال بالنسبة إلى الإقرار أو لأنه قصد به الاستمرار أو لحكاية الحال الماضية ولكون الإقرار في الزمان الماضي اختير الماضي فيه ولو كان معنى الإقرار إبقاء الأمر على حاله أي أبقيتم هذا الميثاق ملتزما كما نقل عن الترجماني لكان وأنتم تشهدون تأسيسا لكن المتبادر من الإقرار ضد الجحود وهو الاعتراف كما أشار إليه بقوله واعترفتم بلزومه ومن هذا جعله توكيدا واكتفى به إذ معنى الإبقاء معنى مجازي له ولا داعي للعدول عن الحقيقة قوله : تأكيد كقولك أقر فلان شاهدا على نفسه وجه كونه تأكيدا له أنه لما قال أقر فلأن احتمل أنه تكلم بكلام يلزم منه الإقرار فأزيل ذلك الاحتمال بقوله شاهدا على نفسه أي أقر إقرارا يشبه شهادة فلن يشهد على غيره بإثبات البينة فالجملة من باب التتميم أو أراد للتأكيد وهذا الوجه من باب الالتفات عند صاحب الكشاف والسكاكي فإن الالتفات عندهما لا يلزم فيه التعبيران بل يكفي فيه التعبير بأحد الطرق الثلاثة في مقام التعبير بطريق آخر منها كما في : تطاول ليلك بالإثمد وههنا قد عبر عن أسلاف بني إسرائيل وهم غيب بطريق الخطاب في ميثاقكم وأقررتم وتشهدون وقد جمعوا في خطاب الموجودين منهم في عصر النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم على وجه التغليب .