اسماعيل بن محمد القونوي

475

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

إلى المجاز فعلم من ذلك البيان أن عطف وأنتم تشهدون غير صحيح لكمال الاتصال ولا الاعتراض كما جعل وأنتم معرضون إذ لا يحسن معنى وأنتم قوم عادتكم الشهادة كما يحسن معنى وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن الوفاء بل المعنى على التقييد كما عرفته وما يكون تقييدا لا يعتبر معنى في العادة إلا أن يريد المبالغة فيحسن اعتبار العادة مع كونه تقييدا إذ معنى العادة متضمن لنفس الفعل وبهذا يحسن ذلك في التقييدات . قوله : ( وقيل وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم ) أي في عصر النبي عليه السّلام وهم أخلافهم وفي الوجه الأول الخطاب للسلف والخلف جميعا بطريق التغليب وأما احتمال كونه خطابا للسلف فيعيد وإن كان له وجه في الجملة كما مر توضيحه في توليتم لكن الرواية الآتية لا تلائمه . قوله : ( فيكون إسناد الإقرار إليهم ) أي إلى الموجودين الأبناء ( مجازا ) عقليا نسب إليهم ما صدر من آبائهم لرضائهم لذلك أو لاشتهاره فيما بينهم ومثل هذا لا يسمى تغليبا فعلى هذا يكون وأنتم تشهدون من عطف الجملة على الجملة لانتفاء مانع العطف وهو كونه تأكيدا وأما قوله ثم أقررتم فكلمة ثم فيه لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر عنه فهو عطف بهذه الطريق وقيل ثم هنا في بابها في إفادة العطف والتراخي والمعطوف عليه محذوف تقديره فقلتم ثم أقررتم كذا نقل عن أبي البقاء ولا يخفى عليك أن الإقرار مقدم على القتل إلا أن يقال إنه استبعاد لما ارتكبوه فحينئذ يكون مآل قوله تعالى ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ [ البقرة : 85 ] قيل ظاهر هذا الكلام أنه تفريع على قوله وقيل الخ . فيكون إسناد الإقرار إليهم حقيقة على غير هذا الوجه وفيه نظر إذ إسناد الإقرار إلى الخلف مجاز في كلا الوجهين ويمكن الجواب بأن الأفعال المذكورة كلها مأخوذة عن أسلافهم بواسطة موسى عليه السّلام وعن الأخلاف بواسطة أنبياء بني إسرائيل الداعين إلى اليهودية بالتورية فإن قبولهم أحكامها مأخوذ منهم أيضا فيكون إسناد الأفعال المذكورة إلى المخاطبين حقيقة وإن كان في نفس الخطاب تغليب للأخلاف الحاضرين على الأسلاف الغائبين كذا قيل وهذا بناء على أن أحكام التورية غير منسوخة بالإنجيل والأصح نسخها به كما صرح به المصنف في تفسير قوله تعالى : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [ آل عمران : 50 ] الآية وأيضا فعلى هذا يكون إسناد الأفعال والإقرار إلى الأخلاف حقيقة في كلا الوجهين وهو مخالف لكلام المصنف . قوله : وقيل وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فعلى هذا لا يكون في وأنتم تشهدون تغليب لعدم دخول الأسلاف في هذا الخطاب بخلاف أقررتم فإن فيه تغليبا لأن الأسلاف داخلون فيه لكن إسناد الإقرار إلى المخاطبين الموجودين في زمن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إنما هو على طريق المجاز لأن المقرين ليسوا هؤلاء الموجودين في عهد النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بل أسلافهم كأن الإقرار الصادر من أسلافهم صادر منهم لاتحادهم نسبا ودينا فهو من إسناد فعل البعض إلى الكل كقولك بنو فلان قتلوا زيدا والقاتل واحد منهم .