اسماعيل بن محمد القونوي
461
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وعطف العمل على الإيمان يدل « 1 » على خروجه عن مسماه ) إذ العطف الأصل فيه التغاير وإن الأصل فيه أن لا يعطف الشيء على نفسه وما هو داخل فيه والتأويل خلاف الأصل ولا يرتكب بلا ضرورة وتفصيله قد مر في تفسير قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ البقرة : 25 ] الآية على وجه الاشباع والظاهر أن المراد منه المؤمنون الكاملون الداخلون في الجنة دخولا أوليا بقرينة قوله تعالى : وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ البقرة : 25 ] أي عملوا كل صالحة يجب عليهم أو ينبغي لهم أن يعملوها فالعصاة غير داخلين في زمرتهم كما لم يدخلوا في الفرقة الأولى على كون المراد الكفار فيكون حالهم مسكوتا عنها كما صرح به أبو حيان في تفسير قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الحاقة : 19 ] إلى آخر الآيتين وأما إن أريد بالأول صاحب الكبيرة فالعصاة داخلون فيهم وأما دخولهم في هذه الآية فبعيد إذ الصالحات جمع محلى باللام الظاهر فيها الاستغراق العرفي وإن أمكن التمحل في دخولهم فيهم كما تمحل صاحب اللباب لكنه بعيد لدى أولي « 2 » الألباب . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 83 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( 83 ) قوله : ( إخبار ) أي لا تعبدون نفي وهو خبر في الأصل يحتمل الصدق والكذب لكنه هنا ( في معنى النهي ) فيكون استعارة تبعية وكذا الإخبار في معنى الأمر كقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [ البقرة : 233 ] الآية شبهت النسبة الإنشائية في لا تعبدوا بالنسبة الخبرية في لا تَعْبُدُونَ في المطابقة والحصول فعبر عنها بلا تعبدون لما فيه من إيهام ( كقوله لا يضار كاتب ولا شهيد ) . قوله : وعطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه ولو لمخالف والعطف للتشريف لكون العمل أشق وأحمز من التصديق وأفضل الأعمال أحمزها أجيب بأن الإيمان أشرف من العمل لكونه أساس جميع الحسنات إذ الأعمال ساقطة عن درجة الاعتبار عند عدمه .
--> ( 1 ) دخول الفاء في الأول دون هذا للإشارة إلى ما تسبب العذاب عنه بخلاف دخول الجنة فإن الأعمال لا تفي بسببه وفي بعض المواضع لم يدخل الفاء في الوعيد أيضا للإيذان بأن دخولها ليس بواجب وأن ما هو سبب لا يجب ملاحظة سببيته . ( 2 ) حيث قال قد بينا أنه قبل الاتيان بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات لأنه متى صدق المركب صدق المفرد بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه عمل الصالحات في كل الأوقات لكن قولنا آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا إنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات والمعتبر في الآية هو القدر المشترك فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعيد انتهى وفيه ما لا يخفى أما أولا فلأنه يستلزم أن لا يعذب أحد من العصاة وهو خلاف الإجماع وأما ثانيا فلأن الاعتبار وقت الموت فإن كان في ذلك الوقت ممن آمن وعمل جميع الصالحات نجا وفاز بالمطلوب وإلا فهو في مشيئته تعالى فلا يفيد كونه ممن آمن وعمل جميع الصالحات كما هو المقرر في الشرع .