اسماعيل بن محمد القونوي
449
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( فإنه وإن جل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العقاب الدائم ) قال في أول السورة فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة بالإضافة إلى ما يفوت عنكم من حظوظ الآخرة وهنا تفنن وبين وجها آخر وأيضا المناسب هنا بيان استحقاقهم العقاب لقوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ [ البقرة : 79 ] الآية وأن أحدهما مستلزم للآخر . قوله : ( يعني المحرف ) أشار في الموضعين إلى أن ما موصولة وأن سبب عقابهم أثر فعلهم لا نفس الفعل إذ فهم هذا من قوله فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ [ البقرة : 79 ] إذ الحكم على المشتق وكذا التعبير بالموصول يفيد علية مأخذ الاشتقاق فالتأسيس أولى من التأكيد وإنما كان أثر فعلهم سببا للعقاب لإفضائه إلى حرام آخر وهو إضلال العبد الذي هو مكسوب العبد كأصل الفعل فهو راجح على إرادة أصل الفعل لما ذكرنا وأما احتياجه إلى العائد في اعتبار الموصولية دون المصدرية فأمر سهل فلا يقال المصدرية أرجح لفظا لعدم الاحتياج إلى تقدير العائد ومعنى لأن مكسوب العبد حقيقة فعله الذي يعاقب عليه ويثاب لأن جعلها موصولة يتضمن اعتبار الفعل الذي هو مكسوب العبد مع أمر آخر . قوله : ( يريد الرشى ) « 1 » قد عرفت أنه جعل ما موصولة والرشى بيان له وقيل إشارة إلى تقدير المفعول على تقدير كون ما مصدرية قيل الفائدة في ذكر الويل ثلاث مرات في آية واحدة أن اليهود جنوا ثلاث جنايات تغيير صفة النبي عليه السّلام والافتراء على اللّه تعالى وأخذ الرشوة فهددوا لكل جناية بالويل انتهى الظاهر أن قوله فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ [ البقرة : 79 ] بيان لما قبله والفاء للتأكيد والتقرير « 2 » على تقدير كون ما مصدرية وذكر الويل أولا لتغيير نعت النبي عليه السّلام والافتراء على اللّه تعالى ولم يهددوا بالويل للافتراء على اللّه تعالى على الاستقلال وقوله وويل لهم عطف على قوله فويل لهم لا على ويل لهم بدون الفاء لئلا يلزم كون هذا تأكيدا لقوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [ البقرة : 79 ] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ [ البقرة : 80 ] الآية جملة مستأنفة لرد ما قالوه حين أوعدوا على التحريف بالويل ولما كان العقاب بالويل أو الدعاء بالهلاك في نار جهنم قالوا نعذب بعدد أيام الخ . فرد ذلك بعد حكاية قولهم بأبلغ ردّ . قوله : يؤيد الرشى هذا على كون ما موصولة وإلا لكان الأنسب أن يقول يريد كسب الرشى . قوله : واللمس كالطلب له أي اللمس لأن اللمس من الالتماس بمعنى طلب شيء من المساوي ولما كان الطلب لا يستلزم وجود المطلوب صح أن يقال المسه فلا أجده أي اطلبه فلا أجده بخلاف المس فإن من المحال أن يقال أمسه فلا أجد الممسوس وفي بعض النسخ المسه فلا آخذه من الأخذ .
--> ( 1 ) الرشى بضم الراء وكسرها جمع رشوة . ( 2 ) أو تفريع على ما قبله لأن ما قبله بيان استحقاقهم الويل بنفس الفعل وهذا بيان استحقاقهم بأثره وتفريع على ذلك .