اسماعيل بن محمد القونوي

450

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 80 ] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) قوله : ( المس اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر الحاسة به ) وهذا أدنى درجات الإصابة فلا يلزم منه أن يكون المس أبلغ من الإصابة إذ الإصابة تأثّر اللحم والعظم معا ( واللمس كالطلب له ) تأثر اللحم فقط كما فهم من توجيه قوله تعالى : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها [ آل عمران : 120 ] الآية ومراد المصنف هنا الفرق بين المس واللمس كما قال الإمام الراغب المس كاللمس لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن لم يوجد قال الشاعر : وألمسه فلا أجده واللمس يقال فيما يكون معه إدراك بحاسة السمع وكنى به عن النكاح والجنون والمس يقال فيما ينال الإنسان من الأذى انتهى والبحث فيه بأنه على هذا يكون المس أبلغ من الإصابة بحث على إمام أهل اللغة والمصنف في مثل هذا ناقل فلا يكون البحث موجها وقول الراغب والمس يقال فيما ينال الإنسان من الأذى بناء على الأكثر وإلا فلا لائمه قوله تعالى : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [ آل عمران : 120 ] الخ وأما قوله تعالى حكاية عن أيوب عليه السّلام : رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [ الأنبياء : 83 ] فلفرط صبره عليه السّلام حتى استهان بما أصابه فذكر المس موضع الإصابة على أن المراد في مثل هذا أن الأصل في الإصابة تأثير بليغ تام والمس أصله الاستعمال في أدنى درجات الإصابة ولا منع في استعمال كل منهما في موضع الآخر عند قيام القرينة فإن باب المجاز مفتوح عند أرباب البصيرة فيندفع الإشكال بالمرة . قوله : ( ولذلك يقال ألمسه فلا أجده ) أي ولأجل اعتبار الطلب فيه سواء كان داخلا في مفهومه أو خارجا عنه يقال ألمسه أي أطلبه فلا أجده وقد عرفت أن اللمس قد يستعمل كالمس كقوله تعالى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء : 43 ] بمعنى أو ماسستم كما صرح به المص هناك فمراده أن اللمس قد يستعمل في الطلب كما استعمل في معنى المس بخلاف المس فإنه لا يستعمل في الطلب ولا يخفى عليك أن هذا التعريف لا يتناول اتصال الجماد بالجماد « 1 » فلا يسمى اتصاله مساو فيه تأمل . قوله : ( محصورة قليلة ) أي أن التوصيف بالمعدودة مأول بالقلة كما صرح به في تفسير قوله تعالى : دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ [ يوسف : 20 ] قليلة فإنهم كانوا يزنون ما بلغ الأوقية ويعدون ما دونها وبالجملة العد فيما بينهم ينبئ عن القلة نقل عن الراغب أن المعدود لما كان ضربين ضربا قليلا يسهل عده وكثيرا يعسر عده وكانت الأعراب يقل فيهم الحساب

--> ( 1 ) الظاهر من كلامه أن اتصال الجماد بالجماد ليس مساو إلا فلا يتناوله التعريف ويخدشه قوله تعالى : يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [ النور : 35 ] الآية فأطلق المس على ما ليس له حس فتأمل .