اسماعيل بن محمد القونوي

448

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

العامة خفي فظهر أن ما كتبت أيديهم كانت تأويلات محرفة كذا قيل وفيه من المخالفة لما ذكر الإمام البغوي في المعالم ما لا يخفى قيل وإنما قال ولعل لعدم الجزم بما ذكره رواية وإنما مأخذه مجرد الدراية فالأولى بل الصواب أن يراد بما كتبوه المحرف بالتبديل كتبديل ربعة بالطوال وتغيير أكحل العينين إلى أزرق ونحو ذلك والمحرف بالتأويل الزائغ أيضا والقول بأن مراده بالتأويلات الزائغة التحريفات لا تأويلات آيات التورية بمعان باطلة لأن مكتوبهم نفس التورية التي حرفوا بعض آياتها لا تفسيرها المشتمل على التأويل مع كونه خلاف الظاهر يرده قوله ولعله أراد به الخ . قال في تفسير قوله تعالى يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ [ النساء : 46 ] أي يميلونه عن مواضعه التي وضعها اللّه فيها إما لفظا بإهماله أو تغيير وضعه وإما معنى بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده انتهى فعلم منه أن المحرف معنى مقابل للمحرف لفظا وكلاهما وقعا منهم فالمكتوب أيضا عام لهما فلا يعرف وجه قوله ولعله أراد الخ ولا يتضح معناه وأيضا قول بعض المحشيين وتوضيحه إنه يوجب أن يتصور أن كل نبي أتى بوصف لنبي بعده فإنما أتى به بإشارة خفية لا يعرفها إلا الراسخون الخ مطلوب البيان منه فإن ما ذكره ممنوع فإن المتعارف أن هذا في حق النبي عليه السّلام خاصة ونعته الشريف مذكور في التورية والإنجيل بعبارة صريحة كما هو المشهور في الرواية وقد نقلناه عن المعالم . قوله : ( تأكيد كقولك كتبته بيميني ) وجه التأكيد دفع احتمال التجوز وبيان أنهم باشروا ذلك بأنفسهم ولم يأمروا به غيرهم لكون التحريف أشد مواقعة إذ المباشر للفعل أشد مواقعة ممن لم يباشره ولأنهم بالغوا في إخفائه وباشروا بأنفسهم ويحتمل أن يكون لدفع احتمال الإنشاء فإن الكتابة شائعة فيه كما يقال كتبت القرآن والمراد إنشاؤه وهنا أريد بالكتابة كتابة أنه من تلقاء أنفسهم دون أن ينزل عليهم فقوله ثُمَّ يَقُولُونَ [ البقرة : 79 ] هذا بيان أنهم مع اختراعهم من تلقاء أنفسهم نسبوه إلى اللّه تعالى وادعوا بأنه نازل من عند اللّه مكتوبا من السماء كما هو الشأن في التورية فإنها أنزلت جملة مكتوبة في اللوح فضموا الجناية بهذا القول إلى الجناية بالفعل والتحريف وجناية القول لما كانت أفحش وأشنع قيل ثُمَّ يَقُولُونَ [ البقرة : 79 ] الآية بكلمة ثم الدالة على الاستبعاد والاشتراء بمعنى الاستبدال ودخول الباء على غير الثمن والكلام في استعارته قد مر في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] الآية . قوله : ( كي يحصلوا به ) يعني اللام في اشتروا للغرض والتعليل والعلة للتحصيل لا للحصول فلذا قال كي يحصلوا ( عرضا « 1 » من أغراض الدنيا ) بالعين المهملة ما لا ثبات له ويقر به ما قيل هو ما كان من قال قل أو كثر . قوله : تأكيد كقولك كتبته بيدي ومنه قوله تعالى : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] .

--> ( 1 ) والفرق بين العرض بسكون الراء وبين العرض بفتح الراء هو إن الأول متاع لا يدخل كيلا ولا وزنا ولا يكون حيوانا ولا عقارا وأما الثاني فمتاع الدنيا يتناول جميع الأموال وهو المراد هنا .