اسماعيل بن محمد القونوي
42
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أنه الحق انتهى . وهذا ضعيف لأن كون المشار إليه في القسم الثاني مثلا لا يوهم كون مرجع الضمير في القسم الأول مثلا فضلا عن الإشعار . قوله : ( جواب ماذا ) لا يعرف له وجه لما مر من أن الاستفهام للإنكار فلا جواب له كما مر توضيحه « 1 » وأيضا كونه محكيا ومقول القول يأبى عن الجواب والاعتذار بأن هذا سؤال صورة وإن كان إنكارا حقيقة فمجاز أن يجاب بما يردعهم عن الإنكار فهو في الحقيقة كلام مسوق لردعهم عن الإنكار أبرز في صورة الجواب لكون الإنكار في صورة السؤال ليس بشيء إذ الاعتبار إلى المعاني المرادة من اللفظ فإذا كان المراد هنا المعنى المجازي بقرينة صارفة عن الحقيقة لا وجه لهذا التوجيه على أن المراد بضرب الأمثال كشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه كما صرح به فيما مر وفي مواضع كثيرة لا إضلال قوم كثير الخ . وكون النظر إلى الاهتداء الذي يترتب على ضرب الأمثال في غاية من البعد مع أن جعل الإضلال مرادا له تعالى بضرب الأمثال لا يخلو عن خدشة تؤدي إلى دهشة غاية الأمر أن الإضلال يترتب عليه بلا إرادة الإضلال كقوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] الآية . وشتان ما بين المسلكين ولهذه النكتة الرشيقة لم يلتفت إلى كونه جوابا صاحب الكشاف وصاحب اللباب نقل بعضهم أن هذا قول أبي علي الفارسي حيث قال في كتاب القصريات قوله يُضِلُّ بِهِ [ البقرة : 26 ] الخ . على وجهين إما جواب عن سؤالهم على المعنى لا على اللفظ أو صفة مثلا والجواب وَما يُضِلُّ بِهِ [ البقرة : 26 ] على المعنى انتهى . وآخر كلامه يدل على وهن أوله إذ لا معنى كون وَما يُضِلُّ بِهِ جوابا ولو معنى والواجب صون ساحة الكلام المعجز البليغ عن مثل هذا التعسف العجيب . قوله : ( أي إضلال كثير وإهداء كثير وضع الفعل موضع المصدر للإشعار بالحدوث والتجدد ) بالرفع اقتصارا على أرجح الوجهين ولا مساغ في كلامه هذا لاحتمال النصب فهو خبر لمبتدأ محذوف وضع الفعل موضع المصدر أي بلا تقدير أن فهو من قبيل تسمع بالمعيدي الخ . والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له وأما إذا أريد به الحدث المدلول عليه تضمنا فلا يمتنع الإخبار عنه وقد مر التحقيق منه في قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ [ البقرة : 6 ] الآية . ولما كان هذا خلاف الظاهر ولا بد من نكتة قوله : أي اضلال كثير بالرفع والنصب على اختلاف الوجهين في ( ما ذا ) وفي جعله جوابا لقولهم ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [ البقرة : 26 ] نظر لأن قولهم هذا إنما جيء به على سبيل الحكاية عنهم وهم غائبون ولم يكونوا حاضرين حتى يجابوا بهذا الجواب فالأولى أن تكون هذه الجملة بيانا للجملتين السابقتين .
--> ( 1 ) وفي قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ [ البقرة : 189 ] وقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [ البقرة : 219 ] إنما ذكر الجواب لأن سؤالهم سؤال استعلام ولهذا أمر بقل في الجواب فلو قيل هنا أيضا قل يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] الآية لكان له وجه في الجملة ولقد أغرب من لم يفرق بينهما .