اسماعيل بن محمد القونوي

360

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

حقهم ما ذكر المصنف إلا بتأويل بارد ووجه شارد ولا داعي له وكذا الصابئيون لا يمكن في حقهم ما ذكر إلا على القول بأنهم في دين نوح عليه السّلام وهو غير مرضي عند المصنف وإن ذكره هنا إذ في سورة المائدة جزم بأنهم صبوا إلى اتباع الشهوات ولم يتبعوا شرعا ولا عقلا وأما ثانيا فلأن قوله ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ استطراد بعد ذكر النعم التي يجب شكرها وهو مما ينبههم على الشكر لوخامة عاقبة الكفران كما صرح به المحشون فلا يضره فوات مناسبته للوعيد وأما ثالثا فلأن عدم مناسبته لسبب النزول لا يضره لأنه خبر واحد وكثيرا ما يختار الشيخان معنى لا يلائم سبب النزول لعدم إفادته القطع وأيضا في هذه الرواية نوع اشتباه لأن جزمه عليه السّلام بأنهم في النار لا يكون إلا بالوحي « 1 » ولا يكون بالاجتهاد ثم نبه على خلافه وجريان الاجتهاد في مثل هذا غير معلوم على أنه عليه السّلام أخبر بأن ورقة بن نوفل في الجنة مع أنه من الرهبان وبالجملة آخر الخبر المذكور لا يلائم أوله بل أوله لا يوافق القاعدة ظاهرا ولهذا لم يعتمد عليه الزمخشري واللّه تعالى أعلم . قوله : ( الذي وعد لهم ) إشارة إلى وجه إضافة الأجر إليهم وأنه عطاء وتفضل من اللّه تعالى وإطلاق الأجر بمقتضى الوعد والتقييد بعند ربهم للتنبيه على فخامة ذلك الأجر والتعرض للربوبية لمزيد اللطف وكمال العناية لهم وعند ربهم استعارة تمثيلية ويحتمل الكناية ( على إيمانهم وعملهم ) والإيمان وإن كان كافا في أصل الأجر ودخول الجنة لكن كمال الأجر والوصول إلى الدرجات العاليات بمجموع الإيمان والعمل الصالح والتروك داخلة في العمل وقد مر الكلام فيه مفصلا في تفسير قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ البقرة : 25 ] الآية وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ لعموم السلب لا لسلب العموم لكن المراد بالخوف المنفي خوف العقاب كما أشار إليه المصنف وأما خوف الإجلال فثابت لهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ اختيرت الجملة الاسمية وخبرها جملة استقبالية « 2 » لتفيد الاستمرار التجددي ولرعاية الفواصل . قوله : ( حين يخاف الكفار من العقاب ) وهذا الحين عام مستمر فلا إشكال بأن هذا التقييد ينافي العموم المستفاد من الجملة الاسمية وتخصيص الخوف بالكفار لما عرفت من أن المراد خوف العقاب الدائم الغير المتناهي والمنفي هذا الخوف « 3 » فلا يوجد في المؤمن المقصر فعلمهم بالعذاب المؤبد يوجب استيلاء الخوف عليهم في الأزمنة الغير المتناهية

--> ( 1 ) فإن كون أحد من أهل الجنة أو من أهل النار معرفته بالاجتهاد غير مبين وإنما الاجتهاد في العمليات والقول بأنه أخبر أولا بالوحي المتلو ثم أخبر ثانيا خلافه بالوحي المتلوّ ضعيف لأنه فيما يقبل النسخ وما نحن فيه لا يقبل النسخ . ( 2 ) ولا يبعد أن يقال إن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد القصر فيفهم منه أن الحزن ثابت لغيرهم وهو المؤمن المقصر والكافر الفاجر . ( 3 ) ولك أن تحمل السلب على سلب العموم أي لا ينالهم الخوف في جميع الأوقات وإن نالهم في بعض الأوقات وأما الكفار فينالهم الخوف في عموم الأوقات .