اسماعيل بن محمد القونوي

344

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كَفَرُوا [ البقرة : 61 ] وأيضا قوله ذلك بأنهم كفروا إشارة إلى الأمور الثلاثة وبيان سببهم ومجازاة علة لضرب الذلة والمسكنة فلا استغناء عنه وأيضا الكفر المذكور في الآية الكريمة الكفر الحقيقي وما ذكره المصنف ( على كفران النعمة ) فلا إشكال . قوله : ( واليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين ) إشارة إلى أن المراد بالضمير الغائب وإن كان أصحاب التيه بطريق الالتفات لكن الحكم عام لهم ولمن بعدهم إلى يوم القيامة إما لأن من بعدهم أبناءهم وهم على أثر آبائهم في الأغلب أو لأنهم سلكوا مسلك آبائهم بارتكابهم ما يؤدي إلى ذلهم وفقرهم وقيل واليهود وضع موضع المضمر إشارة إلى نكتة إيراد الضمير الغائب في عليهم وهو أنه راجع إلى جمع اليهود شامل للمخاطبين في قوله فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ [ البقرة : 61 ] ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة وليس من قبيل الالتفات انتهى ولا يخفى أن هذا يخل بالارتباط إذ الكلام في أرباب التيه ( إما على الحقيقة أو على التكلف ) . قوله : ( مخافة أن تضعف جزيتهم ) وفي اللباب ومن قال إن الذلة هي الجزية لم يصب لأن الجزية لم تكن مضروبة حينئذ وقال بعضهم هذا من باب المعجزات لأنه عليه السّلام أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم ووقع الأمر كذلك فكان معجزة والمصنف اختار قول هذا البعض . قوله : ( رجعوا به ) « 1 » هذا إشارة إلى أن أصل البوء الرجوع في القاموس باء إليه رجع إليه وباء بذنبه بوءا أبواء احتمله قوله ( أو صاروا أحقاء بغضبه ) « 2 » إشارة إلى معنى آخر فعلى الأول الباء للملابسة وعلى الثاني صلة الفعل والثاني مجاز وفي الكشاف من قولك باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته أي صاروا أحقاء بغضبه نقل عن الكشاف أنه قال في الأساس في قسم الحقيقة ( من وباء فلان بفلان ) حقيقة وقولهم باء فلان « 3 » بغضب يحتاج إلى التجويز بتنزيل الغضب منزلة شخص فالأولى أن تجعل العبارة الكريمة من قولهم باء بدمه أي احتمله كما ذكره في الأساس لكن حمله في الكشاف على المجاز لأبلغيته وفي الأساس حمله على الحقيقة لأصالتها والمصنف اختار ما في القاموس

--> ( 1 ) وفي رجعوا به إشارة إلى ما نقل عن الكسائي أنه قال ولا يكون باء إلا بشيء إما بخير أو بشر ولا يكون لمطلق الانصراف انتهى لكن ما نقل عن الأساس للزمخشري حيث قال باء فلان بفلان حقيقة وقولهم باء فلان بغضب يحتاج إلى التجويز بتنزيل الغضب منزلة شخص لا يلائمه فتأمل . ( 2 ) وقال بعضهم أي حلوا مبوأهم ومعهم غضب وإضافة مبوأ إلى الضمير الراجع إليهم يشعر بأنهم هبطوا من التيه إلى مصر ثم رجعوا إلى التيه بغضب وقد عرفت أن الظاهر لم يهبطوا من التيه فالرجوع ليس على حقيقته بل مجاز عن اللزوم اللازم للرجوع . ( 3 ) قوله وباؤوا بغضب أي حلوا مبوأ ومعهم غضب واستعمال باء للتنبيه على أن مكانهم الموافق يلزمهم فيه غضب اللّه فكيف غيره من الأمكنة وهذا على ما ذكره الراغب من أن البوء مساواة الأجزاء في المكان خلاف البنو الذي هو منافاتها كذا في اللباب ملخصا وأشار إليه المصنف بقوله وأصل البوء المساواة ولم يذكر المكان واجزاءه كأنه أراد به التعميم .