اسماعيل بن محمد القونوي
304
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بالقوم في قوله تعالى لِقَوْمِهِ [ البقرة : 54 ] ثم عبر عنه بالخطاب فإن لقومه كلامه تعالى وإن كان يا قوم كلام موسى ومن ههنا توهم بعضهم أن الالتفات إنما يكون إذا كان التعبيران في كلام متكلم واحد والتعبير بلفظ الغيبة وقع في كلام موسى عليه السّلام وبلفظ الخطاب في كلام اللّه تعالى وذهل عن قوله لقومه ونظر إلى قوله يا قوم والقول بأنه إذا عطف على فعلتم لم يكن فيه التفاتات بل فيما عطف عليه مدفوع بأن النظر إلى الذكور لا إلى المحذوف والالتفات في فتاب على رأي السكاكي لا على رأي الجمهور فلذا لم يتعرض له والبعض ذهب إلى أن هذا مذهب صاحب الكشاف فإنه صرح في الفاتحة بأن في قول امرئ القيس ثلاثة التفات مع في ثلاثة أبيات وأطبق شراح الكشاف على أن الالتفات الأول في قوله ليلك حيث لم يقل ليلي على خلاف مقتضى الظاهر قوله فتاب لم يقدر كما في الأول لوجود الداعي هناك دون هنا وإنما ذكر لفظ الباري لأنه لم يسبق له في كلام اللّه تعالى ما يرجع إليه في قول موسى عليه السّلام فنبه به على أن الضمير راجع إليه بخصوصه لدخله في التوبيخ ( كأنه قال فعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم ) . قوله : ( وذكر البارىء ) في قوله تعالى فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ ( وترتب الأمر عليه ) أي بالقتل قوله في فاقتلوا الترتب مستفاد من الفاء وإن تعلق الحكم بالمشتق يفيد ترتبه عليه لأنها للسببية مع التعقيب كما عرفت ( إشعار ) وجه الإشعار حاصل من ذكر البارىء بطريق التعريض ( بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة ) والحماقة فإن من أمثال العرب فلان أبلد من الثور . قوله : ( وإن من لم يعرف حق منعمه ) عطف على أنهم بلغوا وجه إشعاره هذا هو ترتب الأمر بالقتل فإن المعنى فتوبوا بالقتل إلى من خلقكم أطوارا وأنعم عليكم إنعاما قوله : فتاب عليكم بارئكم اظهر في هذا الوجه ذكر الباري دون الأول إشارة إلى نكتة الالتفات وذلك لأن في ذكره مزيد اعتناء بلفظ الباري الدال على معنى التفريع بما كان منهم من ترك عبادة العام الحكيم الذي يراهم بلطف حكمته على الاشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة والبلادة فيكون لفظ الباري مقصودا في صورة الالتفات بخلافه إذا قيل فتبنا إذ لا دلالة له عليه ولا كذلك في صورة الشرط لأنه على ظاهره يقتضي العود إلى البارىء لأنه من تتمة كلام موسى عليه السّلام ولهذا لم يصرح بالبارىء في التقدير قيل في ذكر البارىء فائدتان أحدهما تقريعهم بما أتوا به من الفعل الغير المناسب والثانية التنبيه على استحقاقهم القتل بما فعلوا لأن خلفهم لما كان بريئا من التفات وكان فيما فعلوه في مقابلته تفاوت عظيم وقعوا في معرض السخط ونزول أمره بالقتل وفك التركيب المناسب الذي لا تفاوت فيه أصلا . قوله : وذكر البارىء يعني في قوله فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [ البقرة : 54 ] . قوله : إشعار بأنهم الخ بيان المعنى التفريع الذي افاده لفظ البارىء على ما ذكر آنفا في بيان نكتة الالتفات .