اسماعيل بن محمد القونوي

247

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وفيه اشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه ) أي في تقييده بالحال يعني أن الحال حال مؤكدة أو دائمة ليست احترازا عن غيرها وفائدة التقييد إشارة إلى التعليل كأنه قيل وقبح واللبس لكونه متضمنا لكتمان الحق ولولاه لما قبح لظهور الحق وتمييزه من الباطل « 1 » ومن هذا ينكشف أن معنى وَلا تَلْبِسُوا ولا تجعلوا الحق ملتبسا راجح من المعنى الحقيقي الذي قدمه وإنما أورده الكشاف من أن النهي عن الجمع بين اثنين إنما يتحقق إذا أمكن افتراقهما في الجملة ولبس الحق بالباطل مع كتمان الحق ليس كذلك لضرورة أن لبس الحق بالباطل كتمان له وقد دفعه المصنف أيضا بقوله والإخفاء على من لم يسمعه كما أن التلبيس على من سمعه وما ظهر من التقرير إن حمل الحال على الاحتراز ممكن وأن النهي عن الجمع من حيث المجموع لا عن كل واحد إذا الإخفاء إذا كان لمصلحة لا يقبح كما صرح به البعض ولبس الباطل بالحق إذا لم يتضمن كتمان الحق وملتبسا بغيره لا يقبح قبح اللبس الذي فيه ( من كتمان الحق « 2 » ) وإن أبيت عن هذا التقرير « 3 » فعليك بالتحرير السابق . قوله : ( عالمين ) أي وأنتم تعلمون حال مأول بالمفرد ومفعولي تعلمون ( بأنكم لابسون كاتمون ) حذف للإيجاز مع مراعاة الفواصل قوله ( فإنه ) أي الكتمان مع العلم ( أقبح منه ) مع الجهل ( إذ الجاهل قد يعذر ) أي أن الجاهل يقبح ما صنعه قليلا ما يعذر وهذا فيما لم يعلم كونه من الدين ضرورة وأما إذا علم كونه من الدين ضرورة فالجهل ليس بعذر بخلاف العالم فإنه لا يعذر أصلا ولذلك قال عليه السّلام للجاهل ويل وللعالم سبعين ويلا ومقصوده بهذا الكلام بيان إيراد أن الحال ليس لتقييد النهي به « 4 » بل الزيادة تقبيح حالهم . قوله : عالمين بأنكم لابسون كاتمون تفسيره بالحال المفردة اشعار بأن جملة وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حال بالواو من ضمير الفاعل في لا تلبسوا وَتَكْتُمُوا ويختلف متعلق تعلمون باختلاف تفسير لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ والمعنى على التفسير الأول وأنتم تعلمون أنكم تخلطون الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه وعلى الثاني وأنتم تعلمون أنكم تجعلون الحق ملتبسا بالباطل بسبب خلط الباطل وجعله في خلاله .

--> ( 1 ) إذ اللبس بالباطل وإن كان اشتغالا به وهو مستقبح مطلقا لكن الاشتغال بالباطل مستقبح نظرا إلى ذاته لكن الاستقباح الناشئ من خصوص لبس الباطل بالحق إنما هو لأجل الكتمان . ( 2 ) والحاصل أن هذا النظم الجليل إما من قبيل لا تأكل السمكة وتشرب اللبن أو من قبيل لا تقتل النفس وتشرب الخمر فعلى تقدير كون وتكتمون حالا حال دائمة على الثاني وحال احترازية على الأول . ( 3 ) ويؤيد هذا التقرير ما في تفسير ابن كمال فارجع إليه ولا تستبعده . ( 4 ) والقول بأنه حال مقيدة المنهي إذ لو لم يقيد لسد به بالاجتهاد لأن المخطىء في الاجتهاد يخلط الباطل بالحق المنزل ويكتم الحق المنزل بباطله لكنه لا يعلمه فيعذر بل يوجد مما لا طائل تحته لأن المخطئ في الاجتهاد لم يخلط الباطل بالحق المنزل لأن ما استنبطه مطابق للواقع بالنظر إلى وجوب العمل وإن لم يطابق في نفس الأمر صرح به قدس سره في حاشية مختصر المنتهى فالقول المذكور يحتاج قائله إلى التورية . ألا يرى أن من نشأ في شاهق الجبل ولم يبلغه دعوة نبي فهو معذور في ترك الأعمال اتفاقا وفي ترك التوحيد عند البعض .