اسماعيل بن محمد القونوي

240

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الاشتراء الحقيقي يدخل على ما جعل ثمنا وفي تقرير المصنف إشارة إلى ما ذكر ثم المراد بآياتي إن كان القرآن فمعنى الاستبدال ما ذكرناه من أن تمكنهم منزل منزلة الواقع وإن كان التورية فالأمر واضح وأرباب الحواشي وجهوا بأن مبناه على أن الإيمان بالتورية إيمان بالآيات كما أن الكفر بالآيات كفر بالآيات فيتحقق الاستبدال ولا يخفى أنه تكلف وفي كلام المصنف في تفسير قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] الآية إشارة إلى ما ذكرنا وقوله بالإيمان بها إشارة إلى حذف المضاف لكن بدون حذف المضاف فيه مبالغة لطيفة كإيقاع الحرمة على نفس الأعيان في قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [ النساء : 23 ] الآية وقيل إن الاشتراء لكونه حقيقة في الأعيان مجاز عن الاستبدال باستعمال المقيد في المطلق كالمرسن في الأنف انتهى . ولا يخفى أن في الاستعارة مبالغة فوق المبالغة في المجاز المرسل حتى ذهب بعضهم إلى أنه لا مبالغة في المجاز المرسل . قوله : ( فإنها وإن جلت قليلة ) فلا مفهوم بأن النهي عن الاشتراء بثمن قليل ربما يوهم جواز الاشتراء بثمن جليل فإن المراد القلة بالإضافة إلى حظوظ الآخرة ولو قيل إن قيد القلة بالنظر إلى الخصوص الواقعة وأن المراد القلة في نفس الأمر لكان أحسن لحمل اللفظ على حقيقته مع عدم لزوم مفهوم المخالفة قوله مسترذلة مستفادة من القلة فإن المراد كما عرفت القلة كيفا والأكثر كما « 1 » وقيل الحكم بالاسترذال مستفاد من التعبير عنه بالثمن فإن الثمن مسترذل بالقياس إلى المقاصد مبذول في تحصيلها ولا يخفى أنه ليس بكلي إذ في البيع بالمقابضة والبيع بالصرف كلاهما مرغوبان وإن صور أحدهما بصورة الثمن مسترذلة بالإضافة إلى ما يفوت عنكم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان قبل . قوله : ( كان لهم رياسة في قومهم ورسوم وهدايا منهم فخافوا عليها لو اتبعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاختاروها عليه ) نقل أنهم كانوا يأخذون كل عام شيئا معلوما من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن بينوا صفة رسول اللّه عليه السّلام وبايعوه أن يفوتهم تلك وفي قوله لو اتبعوا رسول اللّه عليه السّلام إشارة إلى أن المراد بآياتي القرآن وإن عدم اتباعه مسبب عن عدم اتباع رسول اللّه عليه السّلام والمراد بالاشتراء اختيار الهدايا والرسوم على اتباع القرآن والرسول عليه السّلام وفي قوله فاختاروها تنبيه على معنى آخر مجازا للاشتراء في المرتبة الثانية وما قدمه المصنف من معنى الاستبدال مجاز له في المرتبة الثالثة ولو اختاره معنى الاختيار هنا لكان أسلم من التكلف . قوله : ( وقيل كانوا يأخذون الرشى ) فحينئذ يكون المراد بآياتي التورية والاشتراء أخذ قوله : وقيل كانوا يأخذون الرشى أي كان أحبارهم يأخذون الرشى وكانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم ويهدون إليهم الهدايا ويرشونهم الرشى على تحريف الكلم وتسهيلهم عليهم من الشرائع وكان ملوكهم يذرون عيهم الأموال ليكتموا ويحرفوا .

--> ( 1 ) وفيه إشارة إلى أن القلة والكثرة تجتمعان بالاعتبارين قليل كيفا وكثير كما أو قليل بالإضافة كثير في نفسه .