اسماعيل بن محمد القونوي

241

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الرشوة وتغيير الحق به وببدله ( فيحرفون الحق ويكتمونه ) وهو نعت الرسول عليه السّلام وصدقه مرضه وما قيله لأن التقييد خلاف الأصل والمتبادر من الآيات القرآن والقول الأخير بناء على أن المراد بها التورية وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [ البقرة : 41 ] وما ذكر في قوله تعالى : فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] جار هنا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [ البقرة : 41 ] . قوله : ( بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن الدنيا ) الظاهر أنه حمل التقوى على المرتبة الأولى وهو الاجتناب عن الشرك أي بالإيمان باللّه والقرآن والرسول عليه السّلام وهو المراد باتباع الحق قوله والاعراض عن الدنيا لأن المخاطبين هم الذين اشتروا الآيات بحظوظ الدنيا ولذا خصصه بالذكر . قوله : ( ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادي لما في الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي مقدمة التقوى ) استئناف جواب سؤال مقدر وتقريرهما ظاهر ولما كانت الآية السابقة وهي قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ [ البقرة : 40 ] إلى فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ النحل : 51 ] مشتملة على ما هو أي مشتملة على ذكر ما هو وهو النعم المذكورة كالمبادي لإيجابها الإيمان واتباع الحق إذ معرفة المنعم يؤدي إلى تصديقه وتوحيده وامتثال ما أمر به وإنما قال كالمبادي لأنه ليس مباد حقيقة إذ المبادي الحقيقية ما يكون موصلا إلى الشيء قريبا أو بعيدا والنعم المذكورة ليست كذلك لكنه مشابه بها في كونه سببا في الجملة فصلت بتخفيف الصاد أي ختمت بالرهبة التي هي مقدمة التقوى أي موقوف عليها التقوى في المراتب الثلاثة لا سيما في المرتبة الأولى إذ الاجتناب عن الشرك المخلد لا يكون إلا بالرهبة والخوف فهي مقدمة في نفس الأمر ولهذا لم يقل كالمقدمة . قوله : ( ولأن الخطاب بها ) أي بالآية الأولى ( لما علم العالم ) بالتورية ( و ) الجاهل قوله : ولما كانت الآية السابقة وهي وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] مشتملة على ما هو كالمبادىء وهي الرهبة التي هي خوف مع تحرز لما في هذه الآية وهي التقوى من حيث إن التقوى شرعا لإتيان بالواجبات والانتهاء عن المنهيات وهذا إنما يحصل بعد الخوف عما يؤدي إليه أضدادها من المهالك والاحتراز عن وخامة عاقبة ما ينافيها فلما كانت الرهبة ما يتوقف عليه التقوى على هذا المعنى وقعت فاصلة تلك الآية الرهبة وفاصلة هذه التقوى ولا يظن أن المراد بالتقوى على كون الرهبة مبدأ ومقدمة لها المعنى اللغوي الذي هو فرط الصيانة لأن الرهبة حينئذ لا تكون مقدمة التقوى بل هي هي لأن فرط الصيانة لا يخلو عن خوف مع تحرز وهذا معنى الرهبة بعينه ولذا فسرناها بالمعنى الشرعي لأنه هو المتوقف على الرهبة . قوله : ولأن الخطاب بالأولى لما عم الخ معنى العموم في الآية الأولى مستفاد من لفظ بني إسرائيل في قوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ [ البقرة : 40 ] وخصوص الخطاب في الآية الثانية من لفظ مع في قوله مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ فإن المراد بما في معكم كتابهم المنزل الذي في أيدي أحبارهم يطالعونه ويأمرون بما فيه من الأحكام ويعظون عوامهم بمواعظه إما مناسبة الأمر بالرهبة لعموم الخطاب إذ الرهبة والخوف عن وقوع النفس في ورطة الهلاك أمر باعث للنفس على التشمر