اسماعيل بن محمد القونوي
239
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الاستبدال واستعارة له استعارة تحقيقية وقد مر التفصيل في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] الآية لكن اختار هنا كون الاشتراء مجازا عن الاعراض عما في يده محصلا به غيره سواء كان من المعاني أو الأعيان ولما كان التمكن لهم بحسب الآيات منزلا منزلة الواقع بالفعل جعل الإيمان كأنه في أيديهم وهم أعرضوا عنه محصلين بذلك الاعراض الضلالة التي ذهبوا إليها وهي الرياسة هنا وحظوظ الدنيا العاجلة الفانية شبه تحصيل حظوظ الدنيا بترك اللّه تعالى بالاشتراء الذي هو بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان فذكر لفظ المشبه به وأريد المشبه فكان استعارة تبعية تحقيقية وهذا التشبيه يتضمن تشبيه حظوظ الدنيا بالمشترى بقرينة إيقاع الاشتراء عليه والمشتري هنا والرشى والرياسة وإنما عبر عن حظوظ الدنيا بالثمن مع أنها المبيع والثمن الآيات حيث تركوها والإيمان بها ترك المشتري الحقيقي الدراهم والدنانير مثلا إشارة إلى أنها يجب أن تكون وسيلة مبتذلة ابتذال النقدين مصروفة في نيل المآرب لا مرغوبة مطلوبة ببذل ما هو أشرف الأشياء وهو آيات اللّه تعالى ففيه تفريع وتحميق قوي بأنهم لكمال خبثهم عكسوا ما هو مقتضى النقل والعقل وجعلوا المقصود بالذات آلة والآلة مقصودة فجعلوا الأشرف وسيلة إلى تحصيل الأخس وفيه أيضا إعزاب لطيف حيث جعلوا المشترى بفتح التاء ثمنا بإطلاق لفظ الثمن عليه وجعل الثمن مشترى بفتح التاء ثمنا بإطلاق لفظ الثمن وجعل الثمن مشترى بإيقاعه بدلا لما جعل ثمنا بإدخال الباء عليه فإن الباء تدخل على المتروك وفي دخلت هنا على الآيات فتكون الآيات ثمنا والواقع في مقابلتها ثمنا قليلا فيكون الثمن مبيعا فاحتيج إلى صرف الاشتراء إلى المجاز فالمعنى لا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا فإنه كما يستبدلوا الشيء بالثمن كذلك يستبدل الثمن بالشيء . قوله : وإلا أي وإن لم يكن استعارة للاستبدال لم يصح فإن الثمن هو المشترى به لا المشترى وهو المبيع حذف جزاء الشرط وأقام الدليل مقامه قال الطيبي يريد الزمخشري أن هذه الاستعارة استعارة لفظية لا معنوية فاستعير الشرى لمجرد الاستبدال من غير نظر إلى التشبيه كما يستعار الأنف للإنسان المؤمن كما قال في قوله تعالى : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [ الصافات : 65 ] الطلع النخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم إما استعارة لفظية أو معنوية وأما التشبيه أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] فلمجرد استعارة الاشتراء للاستبدال قيل الاستعارة اللفظية هي الاستعارة اللغوية غير المفيدة وهي أن تكون الكلمة موضوعة لحقيقة من الحقائق مع قيد فتستعملها لتلك الحقيقة لا مع القيد بمعونة القرينة مثل أن تستعمل المرسن وهو موضوع بمعنى الأنف مع قيد أن يكون أنف مرسون استعمال الأنف من غير رسانة ويسمى هذا النوع غير مفيد لقيامه مقام أحد المترادفين من نحو ليث وأسد عند الرجوع إلى المراد منه فالاشتراء استبدال مع قيد أن يكون في مبادلة ثمن بمبيع استعمل استعمال المطلق عن هذا القيد فإنه مجاز لغوي غير مفيد يجوز أن يكون هذا من باب القلب لقصد المبالغة دلالة على أنهم جعلوا الآيات في الابتذال والامتهان وكونها ذرائع إلى مباغيهم كالدراهم المبذولة لقضاء الحوائج ومقام التقريع والنعي على بني إسرائيل لبّسوا صنيعهم بتعدّي هذه المبالغة فيكون هذا من باب الاستعارة المعنوية .