اسماعيل بن محمد القونوي

233

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي بل من جهة التلويح والإشارة فيختص باللفظ المركب كقول من يتوقع صلة واللّه إني لمحتاج فإنه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا وإنما فهم هذا المعنى من عرض اللفظ أي جانبه انتهى فيكون التعريض من أوصاف اللفظ كالحقيقة وأختها وأما على التغيير الأول وهو ما فهم من الكشاف فهو وصف المتكلم وكلام المصنف يميل إليه ولما كان هذا مفهوما بطريق التلويح لا التصريح فلا يقال إنه لو أوجبه لكان حق النظم فلا تكونوا بالفاء التقريعية لا الواو وأشار إلى جواب سؤال بأنه لا فائدة في تقييد النهي بالأولية إذ الكفر منهي عنه كيف ما كان فأجاب بأنه تعريض كنائي عبارة عن أن يكونوا أول من آمن به ولك أن تقول إن النهي عن تقدم الكفر لئلا يكونوا معتدا بهم في الكفر لأنهم لكونهم من أهل الكتاب مظنة الاقتداء فنهوا عن كفرهم أولا مع أنه منهي عنه كائنا ما كان فلا وجه للسؤال حتى يحتاج إلى الجواب بأنه تعريض فلا يحسن حمل كلام المصنف عليه بل غرضه دفع إشكال سيأتي والفرق بين الإشكالين واضح كما ستعرفه . قوله : ( بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به ) أي أن يكونوا أول من آمن به من أهل الكتاب إذ المخاطبون علماء بني إسرائيل أشار إليه المصنف فيما سيأتي بقوله وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ من أهل الكتاب أو المخاطبون بنو إسرائيل مطلقا والمراد بأهل الكتاب مطلق أهل الكتاب أو أن يكونوا مثل أول من آمن به في المبادرة إلى الإيمان وفي كلامه أيضا إشارة إليه أو المراد بالأول الأولية الإضافية لا الحقيقية بقرينة أن أهل مكة اطلعوا على بعثته ورأوا معجزته قبلهم فآمن جمع كثير فلا يراد الأولية الحقيقية حتى يلزم التكليف بما لا يطاق « 1 » على أن الواجب قد يستعمل في معنى اللائق فليحمل عليه هنا بالقرينة المذكورة أول من آمن به . قوله : ( ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به ) عطف قوله : ولأنهم عطف على لذلك عرض أي عرض بلا تكونوا الآية بذلك المعنى لأجل أن اتباعه لا ينافي الإيمان به أو لأجل أنهم كانوا أهل النظر في معجزات النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم عالمين بشأنه ونعته عرفوه من كتابهم التورية . قوله : والمستفتحين عطف على خبر كانوا أعني أهل النظر أي وكانوا المستفتحين به الاستفتاح الاستنصار . قوله : مستفتحين إشارة إلى قوله تعالى : يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 89 ] أي يطلبون الفتح والنصر أي كانوا يقولون قد آن مبعث النبي الأمي الذي نجده في التورية والإنجيل فنحن نؤمن به ونقاتلكم معه فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله عز وجل : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 1 ] إلى قوله تعالى : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 4 ] فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [ البقرة : 89 ] .

--> ( 1 ) كما حمل الأول على الأولية في الشرف على وجه في قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [ آل عمران : 96 ] الآية . والسين في المستفتحين للمبالغة لا للطلب .